![]()
التمييز بين القطعي والمتغير.. ركن أساسي في تجديد الخطاب الديني
التمييز بين القطعي والمتغير.. ركن أساسي في تجديد الخطاب الديني
يمثل تجديد الخطاب الديني ضرورة معاصرة تفرضها تطورات الواقع وتحديات العصر، لكنه لا يمكن أن يتم بشكل صحيح إلا من خلال أساس متين، وأبرز أركانه: التمييز بين النصوص القطعية والنصوص الظنية أو المتغيرة. فالفهم السليم لهذا التمييز يحدد ما يمكن تجديده أو إعادة النظر فيه، وما يجب التمسك به دون تغيير أو تأويل.
ما المقصود بالنص القطعي والنص الظني؟
النصوص الدينية تنقسم بحسب دلالتها وثبوتها إلى قسمين رئيسيين:
النص القطعي: هو النص الذي ثبت ثبوتًا قطعيًا (كالقرآن الكريم أو الحديث المتواتر)، ودلالته على الحكم واضحة لا تحتمل التأويل. مثل آية “وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة”، أو تحريم الزنا والربا والقتل. هذا النوع من النصوص لا يقبل التجديد ولا الاجتهاد.
النص الظني أو المتغير: هو ما ثبت بطريق ظني (كالحديث الآحاد)، أو كانت دلالته تحتمل أكثر من معنى، أو ما تعلق بوقائع زمانية يمكن أن تتغير بتغير الظروف. وهذا النوع هو مجال واسع للتجديد والاجتهاد بضوابطه.
أهمية التمييز في ضبط الخطاب الديني
عدم التمييز بين هذين النوعين يؤدي إلى إشكالات كبرى، منها:
التجمد: حين تُعامل النصوص الظنية أو المتغيرة وكأنها قطعية، ويُغلق باب الاجتهاد والتأويل المشروع.
التفريط: حين يُساء فهم النصوص القطعية أو تُخضع للتأويل باسم التجديد، ما يؤدي إلى تمييع الدين وتضييع ثوابته.
الخلط في الفتوى: ما يؤدي إلى تناقض في الأحكام، وعدم ملاءمة بعض الفتاوى لظروف العصر.
لذا فإن علماء الشريعة يركّزون على أن “القطعي ثابت لا يتغير، والظني قابل للاجتهاد”، ويُعد هذا مبدأ أساسيًا في فقه الواقع وفقه الأولويات.
تجليات التمييز في القضايا المعاصرة
ويظهر أثر التمييز بين القطعي والمتغير بوضوح في التعامل مع قضايا معاصرة، مثل:
أحكام المرأة: فالحجاب مثلا حكم قطعي، لكن تفاصيله من حيث الشكل والألوان تخضع للعرف والعادة.
المعاملات الاقتصادية: تحريم الربا قطعي، أما أدوات الاستثمار والتمويل الحديثة فهي متغيرة وتخضع لاجتهاد العلماء.
الخطاب الإعلامي الدعوي: العقيدة والتوحيد لا تتغير، لكن أساليب عرضها ووسائل الدعوة تختلف بتغير الوسائط والجمهور.
ولكي يكون الاجتهاد مقبولًا في النصوص الظنية أو المتغيرة، لا بد من الالتزام بضوابط شرعية أهمها:
التخصص العلمي والتمكن من أصول الفقه.
فهم السياق الزماني والمكاني للنص.
مراعاة المقاصد الشرعية الكبرى، مثل رفع الحرج، وتحقيق المصلحة، وجلب الخير للناس.
عدم مخالفة النصوص القطعية أو التعدي على ثوابت الدين.
إن التمييز بين النصوص القطعية والمتغيرة ليس فقط خطوة فقهية، بل هو ضرورة فكرية لحماية الدين من الجمود والانغلاق، وفي الوقت نفسه من التمييع والتفريط. فالتجديد لا يعني تغيير ثوابت الدين، بل هو تفعيل لروح الشريعة بما يناسب حاجات الناس المتغيرة، ويضمن استمرارية الدين في أداء دوره في حياة الإنسان.
إن تجديد الخطاب الديني الحقيقي يبدأ من إعادة قراءة النصوص بفهم عميق، وتمييز دقيق، يحفظ الدين ويواكب العصر.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الخطاب الديني, تجديد الخطاب الديني



