![]()
التلقائية وعدم التكلّف في الخطبة
الصدق الذي يصل إلى القلوب
الخطابة رسالة صادقة تُلقى من القلب لتصل إلى القلب، ومن هنا كانت التلقائية من أعظم أسرار نجاح الخطيب، لأنها تمنح خطبته روحًا نابضة بالصدق، وتجعله قريبًا من الناس في لغته وأدائه وشعوره.
أولًا: معنى التلقائية ومكانتها في فن الخطابة
التلقائية هي أن يتحدث الخطيب بعفوية صادقة بعيدة عن التصنع والتمثيل، فلا يتكلّف في نغمة صوته، ولا في اختيار كلماته، بل ينساب حديثه كما ينساب الماء العذب، يحمل همّ الدعوة دون أن يُرهق نفسه بالتصنّع أو التكلّف.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أصدق الناس لهجة، وأبعدهم عن التكلّف، كما قال تعالى: «وما أنا من المتكلّفين»، فكان كلامه عليه الصلاة والسلام يخرج بصدق القلب، فيؤثر في النفوس تأثيرًا بالغًا.
ثانيًا: آثار التلقائية في الخطبة
- تعميق الصدق الدعوي: حين يتحدث الخطيب بتلقائية، يلمس السامعون صدق الإيمان في كلماته، فيستجيبون لما يقول استجابة وجدانية لا قهر فيها ولا تصنّع.
- تعزيز القرب من الجمهور: الخطيب البسيط في مظهره وأسلوبه يشعر الناس أنه واحدٌ منهم، فيتقبلون منه النصح والإرشاد بارتياح.
- رفع مستوى التأثير: الكلمة الخارجة من القلب تسكن القلب، أما المصنوعة المتكلفة فلا تتجاوز الآذان. ولهذا كانت التلقائية بابًا إلى التأثير العميق.
ثالثًا: مظاهر التكلّف التي ينبغي تجنبها
- المبالغة في السجع والوزن اللفظي حتى تبدو الخطبة أقرب إلى الشعر منها إلى الوعظ.
- التكلف في الحركات والصوت بغرض الإبهار، فيفقد الخطيب وقاره وهيبته.
- التصنّع في العبارات أو إدخال الغريب من الألفاظ لمجرد التزيين اللغوي.
- الافتعال في العاطفة كإظهار البكاء أو التأثر دون صدق شعور، وهو ما ينفّر النفوس بدل أن يجذبها.
رابعًا: وسائل تحقيق التلقائية في الأداء الخطابي
- الإخلاص في النية، فمتى قصد الخطيب وجه الله في خطبته، أجرى الله على لسانه صدق الكلمة وسلامة الأسلوب.
- الاستعداد المسبق: فالتلقائية لا تعني الارتجال المبعثر، بل الحديث المهيأ الذي يُؤدى بطبيعية دون تصنع.
- الحديث بلسان الناس، بلغة مألوفة قريبة من الفهم، دون تعقيد أو غريب من الألفاظ.
- السكينة والوقار أثناء الإلقاء، لأن الخطيب الهادئ المطمئن يبعث الطمأنينة في مستمعيه.
خامسًا: بين التلقائية والاحتراف
التلقائية لا تُنافي الإتقان، بل تجمع بين بساطة الأداء ودقة المعنى، وهي حالة من الانسجام بين فكر الخطيب ولسانه، فلا يكون ثمة مسافة بين ما يؤمن به وما ينطق به.
ولذلك كان السلف يقولون: “إذا صدق العبد في قوله، أُلبس من الهيبة ما يغني عن البلاغة.”
إنّ التكلّف يصنع خطيبًا متصنّعًا يُعجب الناس بلفظه، أما التلقائية فتُخرِج خطيبًا صادقًا يهدي الناس بفكره وروحه، وتلك هي الغاية العليا من فن الخطابة في الإسلام.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | آداب المنبر, الإخلاص في الخطابة, البلاغة الإسلامية, التلقائية في الخطابة, الصدق في الدعوة, عدم التكلّف



