البراجماتية.. فكر مضلل يلبس لبوس الواقع ويهدم الثوابت

لم يكن التاريخ الفكري للأمة الإسلامية بمعزل عن محاولات الغزو الثقافي الذي يتسلل في ثياب براقة، يقدّم الوهم على أنه حقيقة، ويمنح الزيف صفة العقلانية....
البراجماتية في الميزان الإسلامي: بين النفعية المطلقة والحكمة الربانية

البراجماتية.. فكر مضلل يلبس لبوس الواقع ويهدم الثوابت

لم يكن التاريخ الفكري للأمة الإسلامية بمعزل عن محاولات الغزو الثقافي الذي يتسلل في ثياب براقة، يقدّم الوهم على أنه حقيقة، ويمنح الزيف صفة العقلانية. ومن أخطر هذه التيارات التي وجدت لنفسها مكانًا بين بعض المثقفين والأدباء تيار البراجماتية، الذي يقوم على الذرائعية وتمييع المفاهيم، وتقديس الواقع المتغير على حساب الثوابت الشرعية والأخلاقية. وهو تيار يسعى إلى صرف المسلمين عن يقينياتهم، وإشغالهم بما يُسمّى “المنفعة العملية” ولو كان الثمن هدم العقيدة وتآكل الهوية.

جذور البراجماتية ومفاهيمها الأساسية

تعود أصول البراجماتية إلى الفكر الغربي الحديث، حيث صاغها الفيلسوف الأمريكي شارلز بيرس، وبلورها من بعده وليام جيمس وجون ديوي. ويقوم جوهرها على أن معيار الحقيقة هو التجربة العملية، وأن الواقع هو الذي يمنح المعنى للمفاهيم. فالحقيقة عندهم ليست مطلقة، بل نسبية تتغير بتغيّر الظروف، فما يُعَدّ صوابًا اليوم قد يُصبح باطلاً غدًا. هذا التلاعب بالمفاهيم فتح الباب أمام عبث فكري، يجعل المبادئ خاضعة للمصالح، ويحوّل الدين والأخلاق إلى مجرد أدوات وظيفية.

علاقتها بالعقلانية والعلمانية

قد يلتبس على البعض أمر البراجماتية فيخلطون بينها وبين العقلانية، لكن الفارق عميق؛ فالعقلانية تبحث عن الأصول الثابتة التي تتجاوز الزمان والمكان، أما البراجماتية فترى المستقبل والواقع وحدهما المرجع والمعيار. كما أنها تلتقي مع العلمانية في إقصاء الدين من مجالات الحياة العامة، لكنها أكثر خطورة من حيث قدرتها على التغلغل في الأدب والفكر والإعلام تحت ستار الواقعية. وهكذا، تصبح ذريعة لتبرير الانحرافات الفكرية، وإقناع العقول بقبول ما يخالف الشريعة بحجة أنه “ضروري” أو “مفيد”.

انعكاساتها على السلوك الفردي والجماعي

لم يتوقف أثر البراجماتية عند حدود الفكر الفلسفي، بل امتد إلى سلوكيات الأفراد والمجتمعات. فباسم “المصلحة العملية” يُسوَّغ التعامل بالربا، وتُبرَّر مشاهدة المنكرات عبر وسائل الإعلام، ويُقبل التهاون في القيم الأدبية والثقافية بدعوى التطوير أو الانفتاح. وهكذا تحوّل هذا التيار إلى أداة خطيرة لتسويغ المحرمات، وإضعاف الوازع الديني، وزرع التناقض بين ما يعتقده المسلم وما يمارسه في واقعه.

وعي الأمة في مواجهة التيار الهدام

رغم خطورة البراجماتية، فإن الأمة الإسلامية لم تخلُ من وعي مضاد، تمثل في حركات الإصلاح والصحوة الفكرية، التي تصدت لمحاولات التمويه وأعادت التذكير بالثوابت الشرعية. فالمسلم حين يستمد معاييره من القرآن والسنة لا يُخدَع بزخارف الفكر الغربي ولا يُضلل بشعارات الواقعية الزائفة. ومن هنا فإن التمسك بالثوابت، واستحضار قيمة الهوية، وتفعيل الأدب والإعلام في خدمة العقيدة، تمثل السبيل الأمثل لحماية العقول من هذا التيار الهدام.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
"ذو مرة فاستوى".. وصف جبريل بين القوة وكمال الهيئة
يأتي قوله تعالى في سورة النجم: "ذو مرة فاستوى" في سياق وصف جبريل عليه السلام، ذلك الملك العظيم الذي نزل...
المزيد »
بين الجلال واللطف.. أحوال تفخيم الراء وترقيقها في علم التجويد
من بين الحروف التي حظيت بعناية خاصة لدى علماء التجويد حرف الراء، ذلك الحرف الذي يتردد بين حالتين صوتيتين...
المزيد »
ائتمام القائم بالقاعد..
تُعدّ مسألة صلاة الواقف خلف الإمام القاعد من المسائل التي تتجلى فيها مرونة الفقه الإسلامي، واتساعه لاستيعاب...
المزيد »
خطب النبي.. شبهة الإخفاء ومغالطات الطرح
تتردد بين حين وآخر شبهة تزعم أن خطب النبي صلى الله عليه وسلم لم تُنقل كاملة، أو أنها تعرّضت للإخفاء أو...
المزيد »
جماليات علم مقارنة السور والمتشابهات في القرآن الكريم
ليس التكرار في القرآن الكريم إعادةً جامدة، ولا هو عَوْدٌ إلى المعنى ذاته بغير إضافة، بل هو فنٌّ رفيعٌ...
المزيد »
عظمة الأنساق التعبيرية في القرآن الكريم
 الكلمات في فضاء البيان القرآني لا تتجاور على سبيل المصادفة، ولا تتآلف التراكيب لمجرد أداء المعنى، بل...
المزيد »
السلام.. تحية الإسلام التي تُشيع الطمأنينة وتبني جسور القلوب
مع بزوغ فحر الإسلام، غدت تحية الإ شعارًا جامعًا، وروحًا نابضة تعبّر عن هوية الأمة، وتؤسس لعلاقاتها على...
المزيد »
توجهات الفقهاء بين الاستحباب والكراهة في دعاء الاستفتاح
صحّت الأحاديث في سنّية الدعاء بعد تكبيرة الإحرام وقبل الشروع في القراءة، وهو ما ذهب إليه عامة أهل العلم،...
المزيد »
الماهر بالقرآن.. بين رفعة الحفظ وسمو المعنى
الالتقاء بكتاب الله انغماس في بحرٍ من النور، تتجلى فيه المعاني وتسمو الأرواح، خاصة عندما يكون من ماهر...
المزيد »
الخطبة المؤثرة.. تناغم صوت الداعية مع نبض الجمهور
الخطيب المؤثر لا يقف أمام الناس كقارئ جامد، بل كقائد وجداني يتناغم مع مشاعرهم. يقرأ وجوههم، يلتقط أنفاسهم،...
المزيد »
التنبؤ بموت أبي لهب على الكفر.. مشهد من الإعجاز القرآني
حين نزلت سورة المسد في بدايات الدعوة الجهرية، حملت كلماتها وقعاً شديداً على قلوب أهل مكة، إذ أعلنت بوضوح...
المزيد »
الفتح الإسلامي في فرنسا.. من أربونة إلى بلاط الشهداء
حين عبر المسلمون بقيادة موسى بن نصير وطارق بن زياد جبال البرتات بعد فتح الأندلس، بلغوا تخوم فرنسا الحالية،...
المزيد »
معركة سبيطلة.. بداية فتوحات إفريقية
بعد استشهاد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، توقفت حركة الفتح الكبرى، ولم يبق سوى سرايا صغيرة تستكشف...
المزيد »
خلافة على بن أبي طالب.. دولة العدل في زمن الفتن
جاءت خلافة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في فترةٍ عاصفة من تاريخ الأمة، حيث تموجت الفتن وتصادمت...
المزيد »
 النظافة في الإسلام.. رقي الذات واحترام الآخرين
في منظومة القيم الإسلامية، لا تنفصل الطهارة عن جوهر الإيمان، فهي ليست مجرد إجراء صحي أو عادة اجتماعية...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك