![]()
البدن مطية الروح في سفر الآخرة
حين يتأمل الإنسان في حقيقة وجوده، يدرك أن البدن ليس سوى مطية تحمل الروح في رحلتها الطويلة نحو الآخرة. إنه وعاء زمني، يتيح للروح أن تعمل وتختبر وتزكّي نفسها، لكنه لا يمثل الغاية في ذاته. فالمقصد الأسمى هو لقاء الله، والبدن مجرد وسيلة للوصول إلى ذلك المقصد. وقد شبّه العلماء البدن بالراحلة التي يستعين بها المسافر ليبلغ غايته، فإن صلحت الراحلة وصل المسافر، وإن تعطلت تعثر الطريق. ومن هنا تأتي أهمية العناية بالبدن، لا من أجل ذاته فقط، بل لأنه أداة السير في طريق الآخرة.
إهمال الروح يؤدي إلى فقدان الطريق
في هذا التصوير البديع، يظهر التوازن بين الجسد والروح كأحد أسرار الوجود. فالجسد بما فيه من قوة وحركة هو أداة العمل، بينما الروح هي البوصلة التي تحدد الاتجاه. وإذا أُهمل الجسد أو أُنهك، تعطلت المطية عن السير، وإذا أُهملت الروح، ضاع الطريق ولم يعد للسير معنى. ومن هنا تتجلى اللطائف: أن الاعتناء بالبدن ليس ترفاً، بل هو جزء من العبادة، لأنه وسيلة لحمل الروح في طريقها إلى الآخرة، وأن الاعتناء بالروح هو المقصد الأسمى الذي يمنح البدن قيمته. إن هذا التوازن هو الذي يجعل الإنسان قادراً على الجمع بين عبادة الجوارح وعبادة القلب، بين العمل الصالح والنية الخالصة.
تهديدات العصر الحديث لمطية الإنسان
في زمننا الراهن، تتعرض هذه المطية لضغوط لم يعرفها السابقون. الرياضة، التي يفترض أن تكون ساحة للتنافس الشريف وصحة الجسد، تحولت في كثير من الأحيان إلى ميدان للتعصب والخصومة، حيث يُستنزف البدن في صراعات لا تخدم الروح. الثقافة والفن، إذا انفصلا عن القيم، قد يغرقان الإنسان في لهو ينهك البدن ويشتت الروح، فيفقد المسافر مطيته ويضل الطريق. أما الإعلام، بسطوته الواسعة، فقد يوجّه الإنسان إلى استهلاك لا ينتهي، فيُستنزف الجسد وتُغفل الروح، فيتحول البدن من مطية إلى عبء، وتضيع الغاية الكبرى. هذه التهديدات تجعل من العناية بالبدن والروح معاً ضرورة مضاعفة، لأنهما معاً يشكلان وسيلة السير إلى الآخرة.
البدن بين الأمانة والابتلاء
البدن ليس ملكاً مطلقاً للإنسان، بل هو أمانة وابتلاء في آن واحد. أمانة لأنه وديعة من الله، وابتلاء لأنه يُختبر به المرء في صبره على المرض، وفي شكره على الصحة، وفي حسن توظيفه للقوة. ومن يدرك أن البدن مطية، يعلم أن عليه أن يحسن قيادته، فلا يرهقه في اللهو، ولا يهمله في الكسل، بل يوجهه نحو العمل الصالح الذي يزكّي الروح ويقربها من الغاية. وهكذا يصبح الجسد والروح معاً في انسجام، يسيران في طريق واحد نحو الآخرة، حيث يكتمل المعنى وتتحقق الغاية.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الأمانة والابتلاء, الإعلام, البدن مطية, التوازن الروحي, الثقافة, الجسد والروح, الرياضة, العبادة, الفن, طريق الآخرة



