![]()
الإيمان بالقدر.. ركن اليقين وطمأنينة القلوب
الإيمان بالقدر أصلٌ عظيم من أصول الدين، وركنٌ من أركان الإيمان الستة التي لا يكتمل إيمان المسلم إلا بها. فهو عقيدة تُجذّر في النفس معنى التسليم لله، وتُعلّم القلب الرضا بما قسم الله، وتمنح المؤمن توازنًا بين السعي في الأسباب والاعتماد على رب الأرباب.
معنى الإيمان بالقدر
القدر هو ما قدّره الله سبحانه في الأزل، مما سيكون في خلقه من خير أو شر، نفع أو ضر، حياة أو موت. قال تعالى:
«إنا كل شيء خلقناه بقدر» [القمر: 49].
فالإيمان بالقدر يعني التصديق الجازم بأن الله سبحانه علم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ، وشاءه وخلقه، فلا يخرج شيء في الكون عن مشيئته وقدرته.
مراتب الإيمان بالقدر
بيّن العلماء أن للقدر أربع مراتب لا يتم الإيمان به إلا بها:
- العلم: أن تؤمن بأن الله سبحانه يعلم كل شيء علمًا شاملًا لا يخفى عليه مثقال ذرة، قال تعالى:
«وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا».
- الكتابة: أن الله كتب مقادير كل شيء في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما في الحديث الصحيح.
- المشيئة: فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يقع شيء إلا بإرادته سبحانه.
- الخلق: أن الله خالق كل شيء، حتى أفعال العباد، خلقًا وإيجادًا، والعبد فاعل لها كسبًا واختيارًا.
بين الإيمان بالقدر والحرية الإنسانية
قد يظن بعض الناس أن الإيمان بالقدر ينفي حرية الإنسان ومسؤوليته، لكن الإسلام يقرر أن العبد مختار في أفعاله، مكلّف بمسؤوليته، محاسب على اختياره، وأنّ الله شاء له أن يكون حرًّا في قراره ضمن حدود إرادته.
قال تعالى:
«فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» [الكهف: 29].
فأفعال العباد تقع بقدرة الله خلقًا، وبقدرتهم فعلًا واختيارًا، ولهذا جمع الإسلام بين القدر والإرادة دون أن يُسقط أحدهما.
ثمرات الإيمان بالقدر
- الطمأنينة والرضا: لأن المؤمن يعلم أن كل ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فيسكن قلبه بعد الجزع، ويستسلم لحكمة الله.
- القوة في العمل: فالإيمان بالقدر لا يدعو إلى التواكل، بل إلى السعي الجاد مع الثقة بأن النتائج بيد الله. قال النبي ﷺ: “اعملوا فكل ميسّر لما خُلق له.”
- الصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء: لأن القدر يجري بما فيه الخير، وإن خفي وجهه على العبد.
- التحرر من الحسد والاعتراض: إذ يدرك المؤمن أن الأرزاق والمنازل مقسومة بقدر الله، فلا يحسد أحدًا على عطائه.
خطأ الخوض في القدر بالعقل المجرد
القدر سر الله في خلقه، لا يجوز للعقول أن تغوص في تفاصيله التي لم يُكشف عنها، لأن ذلك مدخل إلى الوسوسة والاضطراب. وقد نهى النبي ﷺ الصحابة عن الجدال في القدر حين رآهم يتنازعون فيه، فقال: “أبهذا أُمِرتم؟ أم بهذا أُرسلتم؟ إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر.”
الإيمان بالقدر سبيل السكينة
حين يرسخ الإيمان بالقدر في القلب، يزول الخوف من الغد، ويغدو المؤمن ثابتًا أمام الأقدار، لا تهزّه مصائب الدنيا ولا تفتنه مكاسبها. فهو يعيش بين الصبر والشكر، بين الأخذ بالأسباب والتوكل على مسببها، فيتحقق له التوازن النفسي الذي هو لبّ الإيمان وغاية الطاعة.
إن الإيمان بالقدر ليس فكرة فلسفية، بل هو منهج حياة يُنير طريق المؤمن في السراء والضراء، ويجعله عبدًا لله في كل حال، شاكرًا في العطاء، راضيًا عند البلاء، ثابتًا على صراط الإيمان إلى أن يلقى الله وهو عنه راضٍ.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الإيمان بالقدر, الرضا بالقضاء, العقيدة الإسلامية, مراتب القدر



