![]()
الإيمان بالغيب: أصل العقيدة ومفتاح اليقين
من أركان الإيمان الكبرى وأصول العقيدة الراسخة، أن يؤمن المسلم بالغيب إيمانًا جازمًا لا تردد فيه ولا التباس. والغيب في معناه الشرعي هو كل ما غاب عن إدراك الحواس وعجز العقل عن الإحاطة به إلا من طريق الخبر الصادق عن الله ورسوله. ولذا كان أول وصفٍ امتدح الله به عباده المؤمنين في مطلع سورة البقرة قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}، لأن هذا الإيمان هو مِعيار صدق التصديق، وعنوان التسليم لله في ما لا يُدرَك بالحسّ ولا يُقاس بالعقل.
معنى الغيب وحدوده
الغيب في القرآن يشمل عالَم ما وراء المادة: الله سبحانه وتعالى وصفاته، والملائكة، والجنّ، والقدر، واليوم الآخر، والبعث، والجنة والنار، وكل ما أخبر الله ورسوله بوجوده ولم نشهده نحن. وهو يقابل عالم الشهادة الذي تدركه الأبصار وتتناوله التجربة. ومن حكمة الله أن جعل الغيب جزءًا من نظام الإيمان، ليظلّ القلب معلّقًا بما فوق المحسوس، فلا يقف إدراك الإنسان عند حدود الأرض، بل يرتقي إلى عالم السماء حيث الغاية والمصير.
الغيب في ميزان العقل والوحي
الإيمان بالغيب لا يعني تعطيل العقل، بل توجيهه إلى مجاله الصحيح. فالعقل أداة إدراكٍ لما يُدرك، وشاهدٌ على صدق الوحي فيما لا يُدرَك. والقرآن لم يطلب من الإنسان أن يؤمن بالغيب دون دليل، بل قدّم من دلائل القدرة والنظام والخلق ما يرسّخ الثقة بالخبر الإلهي. فكما نؤمن بوجود الكهرباء وإن لم نرها، نؤمن بالملائكة لأن خالق الكون الذي نرى آياته في كل شيء هو الذي أخبرنا عنهم. إن الغيب لا يناقض العقل، وإنما يتجاوزه؛ ومن ظنّ أن العقل وحده يكفي فقد أنكر حدوده وادّعى لنفسه علم الله.
الغيب في حياة المؤمن
الإيمان بالغيب ليس فكرة ذهنية، بل منهج حياة. من آمن بالملائكة استحيا من معصية الله وهو يعلم أن رقيبًا يكتب عمله، ومن آمن بالقدر رضي بما قضى الله عليه، ومن أيقن بالآخرة أصلح دنياه استعدادًا ليوم الحساب. فالغيب يزرع في النفس الطمأنينة في البلاء، والأمل في الشدة، والورع في الخلوة، والخشية في السرّ والعلن. إنه يربط القلب بمصدرٍ أعلى من المصلحة اللحظية، ويمنح الإنسان رؤية متجاوزة للزمان والمكان، فيعيش بعينٍ على الأرض وأخرى على السماء.
أثر الإيمان بالغيب في بناء الأمة
الأمم التي فقدت الإيمان بالغيب فقدت المعنى، وغرقت في المادّة، وانهارت قيمها مع أول امتحان. أما الأمة المؤمنة فإن الغيب هو روحها، به تتجاوز ضعفها، وبه تفسّر الحاضر على ضوء وعد الله ووعيده. فالمعركة بين الإيمان والكفر ليست صراعًا بين قوى مادية فحسب، بل بين من يؤمن بما وراء الحسّ ومن يقصر نفسه على ما يراه ويحسبه كل شيء. لذلك كان الإيمان بالغيب هو الجدار الذي يحمي الأمة من الانهيار أمام الواقع، ويُبقي على جذوة الأمل بأن للكون ربًا لا ينسى عباده، وللتاريخ نهاية لا يراها إلا الموقنون.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أصول الدين, الإيمان بالغيب, العقيدة الإسلامية, القرآن الكريم



