![]()
الإدارة والعدل في عهد عثمان:
تنظيم الولايات ونظام القضاء
مثّلت فترة خلافة عثمان بن عفان، رضي الله عنه مرحلة مفصلية في تاريخ الدولة الإسلامية، خاصةً فيما يتعلق بتطوير الهياكل الإدارية وتنظيم الولايات.
فقد اتسمت سياسة عثمان بالحكمة والاتزان، مستندًا في قراراته إلى مشورة كبار الصحابة وخبرتهم في إدارة شؤون الدولة.
وعند تولّيه الخلافة في مطلع سنة 24 هـ، حافظ على سياسة الاستقرار الإداري التي أسسها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأبقى الولاة في مناصبهم لمدة عام كامل، بهدف تقييم أداء كل والي، والنظر في مدى كفاءته وتأثيره في ولايته.
وبعد هذه المدة، أجرى عثمان عملية مراجعة شاملة، أبقى خلالها على بعض الولاة لما لمس فيهم من أمانة وحسن إدارة، وعزل آخرين رآهم بحاجة إلى الاستبدال، ثم عيّن ولاة جددًا من ذوي الكفاءة والورع. وفي عهده ظهرت خطوات إدارية مهمة، أبرزها ضم بعض الولايات إلى أخرى لتسهيل إدارتها وتقوية القرار الإداري، مثل دمج البحرين مع البصرة، ودمج بعض ولايات الشام بعد وفاة عدد من ولاتها أو طلب بعضهم إعفاءهم من مهامهم.
وقد تميز عثمان رضي الله عنه، بأنّه كان يكتب إلى ولاته بانتظام، موجّهًا إياهم بالعدل والرحمة بين الناس، والالتزام بالحقوق والواجبات، وحفظ حقوق المسلمين وأهل الذمة على حدّ سواء. كما شدّد على ضرورة العدل المالي، وألا تكون جباية الأموال هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة لرعاية مصالح الأمة.
ومن إنجازاته الإدارية المهمة إلزام أهل الولايات بالعمل بالمصاحف العثمانية التي كُتبت في المدينة، وذلك لضمان وحدة القراءة القرآنية في جميع الأمصار. وكان يشجع الأمراء والولاة على التنافس في الجهاد والفتوحات، مما أدى إلى اتساع رقعة الدولة بشكل غير مسبوق. كما وضع بعض الشروط المحددة على الولاة لضمان التزامهم بسياسة الدولة، ولمنع أي تجاوزات يمكن أن تؤثر على الرعية أو تضر بمصالح المسلمين.
القضاء في عهد عثمان بن عفان
مثل نظام القضاء في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه أحد أعمدة استقرار الدولة الإسلامية، إذ جمع بين الشورى، والحزم، والرجوع إلى كبار الفقهاء.
وعندما تولى الخلافة، كان قضاء المدينة بيد كبار الصحابة مثل علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، والسائب بن يزيد، لكن عثمان كان كثيرًا ما يتدخل شخصيًا في القضايا المهمة التي تصل إليه، فينظر فيها بنفسه، معتمدًا على المشورة الفقهية لعلي وزيد وغيرهما.
ويرى بعض المؤرخين، أنّ عثمان لم يمنح القضاة استقلالًا كاملًا كما كان الحال في عهد عمر بن الخطاب؛ بل كان يشرف على القضايا الكبرى بنفسه، مما يدل على حرصه البالغ على إيصال الحقوق إلى أصحابها والتأكد من سلامة الأحكام الصادرة. بينما يرى آخرون أنه لم يرد نص ثابت يوضح إعفاء القضاة من مهامهم، وإنما كان عثمان يتحمل عنهم النظر في القضايا التي تحتاج إلى حكم سياسي وفقهي معًا.
وتذكر مصادر تاريخية أنّ عثمان رضي الله عنه ربما كان أول من أنشأ دارًا خاصة للقضاء خارج المسجد، استنادًا إلى رواية ابن عساكر، وهو تطور إداري مهم؛ لأن القضاء قبل ذلك كان يُمارس غالبًا في المسجد، مما جعل تأسيس دار مستقلة خطوة مهمة نحو التنظيم المؤسسي للقضاء.
كما ترك عثمان مجموعة من الأحكام الفقهية في مجالات متعددة، أهمها:
القصاص والجنايات
الحدود والتعزير
العبادات والمعاملات
أحكام الأراضي والمواريث
كما عيّن رضي الله عنه نخبة من أشهر القضاة في الأمصار، مثل:
زيد بن ثابت – المدينة
أبو الدرداء – دمشق
كعب بن سور – البصرة
شريح القاضي – الكوفة
أبو موسى الأشعري – البصرة مع ولايته
يعلى بن أمية – اليمن
ثمامة – صنعاء
عثمان بن قيس – مصر
وهؤلاء القضاة أسهموا في ترسيخ مبادئ العدالة، وتطبيق أحكام الشرع، وضبط المجتمع في مرحلة تشهد توسعًا سريعًا للدولة.



