![]()
الإخلاص… سر القبول ومفتاح النجاة
قد يعمل الإنسان أعمالًا جليلة في ظاهرها، لكن إذا خالطها رياء أو طلب لمحمدة الناس، ذهبت أدراج الرياح، وصارت كرمادٍ اشتدت به الريح في يوم عاصف. إنما الإخلاص هو روح الأعمال، وسرّ قبولها عند الله، وهو الفارق بين عبادةٍ تصعد إلى السماء مقبولة، وأخرى تسقط قبل أن تتجاوز رأس صاحبها.
الإخلاص أن يتوجّه القلب بكليته إلى الله، لا يبتغي بعمله إلا وجهه الكريم، ولا يطلب ثناءً من بشر، ولا سمعةً بين الخلق. قال تعالى: “وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ”، فجعل الإخلاص أساس التكليف، وشرط صحة العبادة.
وقد ورد في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشِركه» [رواه مسلم]. فهذا النص يرسم بجلاء أن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا له، صافيًا من شوائب الرياء.
والإخلاص ليس كلمة تُقال باللسان، بل مقام قلبي عميق، يُختبر في خفايا النوايا ودقائق المقاصد. قد يُخفي العبد صدق نيته عن الناس جميعًا، لكن الله وحده مطّلع على سرّه وعلنه، عليم بما تخفي الصدور. وقد قال سفيان الثوري رحمه الله: «ما عالجت شيئًا أشدّ عليّ من نيتي، إنها تتقلب عليّ». فهو مقام يحتاج إلى مجاهدة دائمة، ومراقبة لا تنقطع.
وللإخلاص ثمار يانعة؛ فهو الذي يمنح العمل بركته، ويُورث القلب نورًا وسكينة، ويجعل العبد في حرز من تقلبات الناس وآرائهم، فلا يحيا مأسورًا لنظراتهم ولا أسيرًا لألسنتهم. بالإخلاص يتحرر الإنسان من عبودية البشر ليكون عبدًا لله وحده، وبالإخلاص تُستجاب الدعوات وتتفجّر ينابيع القبول.
وفي زماننا الذي كثرت فيه المنابر وتنوعت وسائل الظهور، تشتد الحاجة إلى الإخلاص أكثر من أي وقت مضى، حتى لا يغدو العمل الديني أو الخيري سعيًا وراء الشهرة أو موضعًا للتفاخر. إن المسلم المعاصر مطالب أن يُفتّش في قلبه مع كل خطوة: أهي لله خالصة أم للنفس نصيب منها؟
فالإخلاص هو الميزان الدقيق الذي يزن به العبد كل عمل، وهو مفتاح النجاة يوم يقوم الناس لرب العالمين. هناك، حيث تُكشف السرائر وتُنشر الضمائر، لا ينفع المرء إلا ما كان خالصًا لله، فيا طوبى لمن أخلص سرّه وعلنه، وجعل عمله لله وحده، وصدق فيه قول الحق: “إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ”
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | تصحيح المفاهيم, مفاهيم دينية, مفهوم الاخلاص



