![]()
اغتراب الهوية..
العلمانية في الواقع العربي وتأثيرها على الفكر الإسلامي
اغتراب الهوية..
العلمانية في الواقع العربي وتأثيرها على الفكر الإسلامي
في ظلِّ العولمة المتسارعة، تتحول العلمانية من مجرد خيار فكري إلى واقع مفروض على المجتمعات العربية، يتسلل عبر تشريعات مستوردة، وإعلام منفلت، وتعليم منقوص. هذه المظاهر تشكل تحدياً وجودياً للفكر الإسلامي، لا لأنها تقدم بديلاً فحسب، بل لأنها تعيد صياغة العقل العربي وفق مرجعيات منفصمة عن دينه وهويته.
التشريع: تفكيك الشريعة تحت مسمى التحديث
أصبحت القوانين الوضعية في العديد من الدول العربية أداة لنزع الشرعية الدينية من الحياة العامة. فتحت شعارات “مواكبة العصر” و”التنمية البشرية”، يتم تمرير تشريعات تخالف صريح أحكام الشريعة الإسلامية. نرى ذلك جلياً في قوانين الأسرة التي تساوي بين الرجل والمرأة في الميراث رغم النص القرآني الصريح، وفي القوانين المالية التي تشرِّع الربا تحت مسميات “الفائدة البنكية”، وفي الاتفاقيات الدولية التي تفرض رؤى أخلاقية تتعارض مع الثوابت الإسلامية. هذا الانزياح التشريعي ليس تطوراً طبيعياً، بل هو قطع متعمد للصلة بين الأمة وبين مصادر تشريعها.
الإعلام: تغريب الوعي وتمييع الهوية
يمثل الإعلام العربي اليوم أحد أخطر أدوات الاختراق العلماني للعقل المسلم. فمن خلال المسلسلات التي تستهزئ بالثوابت الدينية، والبرامج التي تروج لنمط الحياة الغربية، والإعلانات التي تكرس قيماً استهلاكية مادية، يصبح الإعلام منصة لهدم المنظومة القيمية الإسلامية. الأكثر خطورة هو تحويل المفاهيم الإسلامية الأساسية – مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – إلى “تطرف” و”تدخل في الخصوصيات”، بينما تقدم الحرية الفردية المطلقة كأقصى درجات “التحضر”. هذه الحرب الإعلامية تنتج أجيالاً من المسلمين المنفصلين عن دينهم، المعتزين بتبعيتهم للغرب.
التعليم: طمس الهوية وتجهيل الأجيال بتراثها
إذا كان الإعلام يخاطب الوجدان، فإن التعليم يخاطب العقل، وهذا ما يجعل العلمانية في التعليم أخطر أشكال الغزو الفكري. فمناهج التعليم في كثير من البلاد العربية تقدم الإسلام كـ”تراث” وليس كـ”منهج حياة”، وتاريخ الأمة كـ”ماضٍ انتهى” وليس كـ”مشروع حضاري”. نرى ذلك في حذف الآيات القرآنية والأحاديث النبوية من مناهج العلوم والاقتصاد، وفي تقديم الرؤى المادية للتاريخ كمسلمات علمية، وفي فصل القيم الأخلاقية عن المعرفة العلمية. هذه العملية المنظمة تنتج عقولاً مستلبة، تعرف عن حضارة الآخر أكثر مما تعرف عن حضارتها، وتقدس منتجات الغرب المادية والاستهانة بتراثنا الروحي والفكري.
المخاطر على الفكر الإسلامي: من التهميش إلى التشويه
لا تقتصر مخاطر العلمانية على استبدال المنظومة الإسلامية بأخرى غربية، بل تمتد إلى تشويه الفكر الإسلامي نفسه. فتحت شعار “تجديد الخطاب الديني”، يتم إعادة تفسير النصوص الشرعية لتتوافق مع الرؤية العلمانية، فيتحول الحلال إلى حرام والحرام إلى حلال، ويصبح الدين مجرد شعائر فردية بلا تأثير على الحياة العامة. هذا التشويه ينتج “إسلاماً مشوهاً” يسكت عن المنكرات ويبارك الوضع القائم، ويقدم الدين كعائق أمام “التقدم” و”التحضر”. والنتيجة النهائية هي عزل الإسلام عن واقع الحياة، وتحويله إلى تراث متحفي بلا تأثير فعال.



