![]()
“إياكم ورطانة العجم”..
تحذير عمر من التحدث بغير العربية
اللغة تفقد مكانتها عندما يصر البعض أن يتخلل حديثة مفردات ومصطلحات غير عربية
حين قال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه عبارته الشهيرة: “إياكم ورطانة العجم”، لم يكن يطلق تحذيراً عابراً أو يرفض التفاعل مع الثقافات الأخرى، بل كان يضع قاعدة حضارية تحفظ هوية الأمة وتضمن بقاء لغتها الجامعة. فالرطانة هنا تعني الخلط بين العربية وغيرها من الألسن، أو إدخال مفردات أعجمية في سياق الكلام العربي حتى يفقد صفاءه وبهاءه. عمر، الذي كان يرى في اللغة العربية وعاء الدين ووسيلة الفهم الصحيح للقرآن والسنة، أراد أن يذكّر المسلمين بأن التفريط في لغتهم هو تفريط في هويتهم، وأن التهاون في نقاء اللسان قد يقود إلى ضعف في الفكر وانحسار في الثقافة.
مكانة اللغة العربية في حضارة الإسلام
اللغة العربية ليست مجرد وسيلة للتخاطب، بل هي لغة الوحي، لغة القرآن الكريم الذي نزل بلسان عربي مبين، ولغة السنة النبوية التي شرحت وفسرت وطبقت أحكام الدين. وقد ارتبطت العربية منذ فجر الإسلام بالعلم والفكر والأدب، فكانت لغة الفقهاء والمفسرين، ولغة الشعراء والكتاب، ولغة الفلاسفة والعلماء الذين نقلوا علوم الأمم وصاغوها في قوالب عربية رصينة. إن قوة العربية لم تأتِ فقط من جمالها البياني، بل من كونها لغة جامعة للأمة، تحفظ وحدتها وتبني جسور التواصل بين شعوبها الممتدة من المحيط إلى الخليج.
خطر التداخل اللغوي وفقدان الهوية
اليوم، ومع الانفتاح الواسع على الثقافات واللغات الأجنبية، أصبح من المألوف أن يتخلل الكلام العربي مفردات دخيلة تُستخدم بلا حاجة، وكأنها علامة على التحضر أو مواكبة العصر. غير أن هذا الاستخدام العشوائي يضعف من مكانة العربية ويجعلها تبدو عاجزة عن التعبير، وهو أمر يناقض حقيقتها الغنية وقدرتها الفائقة على استيعاب المعاني الدقيقة. إن إدخال الكلمات الأجنبية في الحديث اليومي ليس مجرد خطأ لغوي، بل هو مؤشر على خلل في الوعي الثقافي، إذ يُفقد اللغة هيبتها ويجعلها تابعة بدل أن تكون قائدة. وهذا ما كان عمر بن الخطاب يحذر منه حين دعا إلى تجنب الرطانة، لأن فقدان نقاء اللغة هو بداية فقدان الهوية.
الدعوة إلى التمسك بالعربية
التمسك بالعربية اليوم ليس مجرد وفاء لتراث أو حفاظ على ماضٍ، بل هو ضرورة حضارية لمستقبل الأمة. فالعربية قادرة على استيعاب العلوم الحديثة والتقنيات الجديدة، وقادرة على أن تكون لغة الفكر والإبداع في كل المجالات. المطلوب هو أن نعيد الاعتبار لها في التعليم والإعلام والبحث العلمي، وأن نغرس في الأجيال الجديدة الاعتزاز بها، فلا يرون في استخدام الكلمات الأجنبية ترفاً أو تفوقاً، بل يرون في العربية نفسها لغة القوة والثراء. إن الدعوة إلى التمسك بالعربية هي دعوة إلى الحفاظ على هوية الأمة، وإلى بناء مستقبل يستند إلى أصالة راسخة وقدرة متجددة على الإبداع.



