![]()
إبراهيم بن أدهم.. من عرش الثراء إلى سموّ الزهد
سيرة إبراهيم بن أدهم بمثابة صفحةً مضيئةً في تاريخ القلوب التي أشرقت بأنوار التوبة، وسارت في طريق الزهد والعبادة هو أبو إسحاق إبراهيم بن منصور بن زيد بن جابر العجلي، ويقال التميمي، أحد كبار العباد والعلماء من أهل السنة والجماعة في القرن الثاني الهجري، وُلد في بلخ من أرض خراسان — حاضرة العلم والرفاه — ليغدو مثالًا خالدًا للانتقال من زخارف الدنيا إلى صفاء الروح وصدق الإقبال على الله.
من القصور إلى الخلوة
نشأ إبراهيم في بيتٍ من بيوت الملوك، مترفًا منعّمًا، تحفّ به أسباب النعيم من كل جانب. غير أن قلبه كان يضيق ببهجة الدنيا، ويحنّ إلى مقامٍ أصفى وأهدأ.
وذات يوم، خرج يصيد كما اعتاد، فإذا بصوتٍ يهتف به من حيث لا يدري:
“يا إبراهيم! ألهذا خُلقت؟ أم بهذا أُمرت؟”
فأيقظ النداء ما خمد في قلبه من إيمان، فترجّل عن فرسه، وخلع ثياب الملوك، وأخذ جُبّة راعٍ بسيطٍ كان يعمل عند أبيه، وقال مودّعًا دنيا الزهو: “من اليوم لا دنيا بعد اليوم”. ومن تلك اللحظة بدأت رحلته إلى الله.
رحلته في طلب العبادة والعلم
شدّ إبراهيم رحاله إلى مكة المكرمة، فقضى بها أيامًا وليالي مع كبار الزهاد والعلماء، أمثال سفيان الثوري والفضيل بن عياض، يغترف من علمهم ويشاركهم همّ العبادة والورع. ثم سكن بلاد الشام، يعمل بيده ويأكل من كسبه، اقتداءً بسنة النبي ﷺ القائل: “ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده.”
كان لا يقبل عطاءً، ولا يركن إلى غنى، بل يرى في عرق جبينه طريقًا إلى الطمأنينة، وفي التقشف سُلّمًا إلى رضا الله.
حكمه ومأثوراته
كان دعاؤه الذي تردده الألسنة:
“اللهم انقلني من ذلّ معصيتك إلى عزّ طاعتك.”
وكان يقول في زهده:
“إذا غلا شيء عليّ تركته، فيكون أرخص ما يكون إذا غلا.”
ووضع للعارفين طريقًا إلى الصلاح فقال:
“لا تنال درجة الصالحين إلا بجواز ستّ عقبات: إغلاق باب النعمة وفتح باب الشدّة، إغلاق باب العز وفتح باب الذل، إغلاق باب الراحة وفتح باب الجهد، إغلاق باب النوم وفتح باب السهر، إغلاق باب الغنى وفتح باب الفقر، وإغلاق باب الأمل وفتح باب الاستعداد للموت.”
ولما سُئل عن الناس قال كلمةً تُكتب بماء الحكمة:
“إن صحبتَ من هو دونك آذاك بجهله، ومن هو فوقك تكبّر عليك، ومن هو مثلك حسدك، فاشتغلتُ بمن لا ملل في صحبته، ولا انقطاع في وصله.”
زهده وورعه
كان قلب إبراهيم بن أدهم واحةً من صفاء، يزن مشاعره بميزان الحكمة، فيقول:
“على القلب ثلاثة أغطية: الفرح، والحزن، والسرور. فإذا فرحتَ بالموجود فأنت حريص، وإذا حزنتَ على المفقود فأنت ساخط، وإذا سررتَ بالمدح فأنت معجب.”
ومن عرف ربه كما عرفه، لم يلتفت إلى دنيا ولا إلى ثناء الناس، فقد شغله حبّ الله عن حبّ الخلق، وملأ يقينه صدره حتى استغنى بالله عن كل ما سواه.
وفاته وأثره الباقي
تُوفي إبراهيم بن أدهم سنة 162هـ في إحدى الغزوات البحرية ضد الروم، وقيل إنه قبض روحه وهو ممسكٌ بقوسه مستعدٌّ للرمي. ودفن في مدينة جبلة الساحلية بالشام، حيث أضحى قبره مزارًا يُستحضر عنده معنى التوبة الخالصة.
وأقيم على موضع وفاته جامع السلطان إبراهيم تخليدًا لذكراه، ليبقى شاهدًا على أن من صدق مع الله رفعه الله من زهو القصور إلى مجد الخلود.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أخبار السلف, أعلام السلف, إبراهيم بن أدهم, الزهد في الإسلام, الفضيل بن عياض



