![]()
أبو العتاهية.. شاعر الزهد في العصر العباسي
برز الشاعر أبو العتاهية في العصر العباسي كأحد أبرز شعراء الزهد والوعظ، بعد أن تحوّل من شاعر المدح واللهو إلى شاعر يطرق أبواب التذكير بالموت، والإنابة إلى الله، والدعوة إلى الزهد في الدنيا. وقد خلّف لنا تراثًا شعريًا عظيمًا، لا يزال يُستشهد به في الخطب والدروس والمواعظ.
اسمه الكامل إسماعيل بن القاسم العنزي، وُلد في الكوفة سنة 130 هـ، وعاش في بغداد، وعُرف بحدة ذكائه وسرعة بديهته، وكان مقربًا من الخلفاء، لكنه اختار الابتعاد عن حياة الترف، وكرّس شعره للدعوة إلى الحق ومحاسبة النفس.
دافع عن الإسلام بأبيات صادقة ومؤثرة
عرف أبو العتاهية بأن شعره لم يكن مجرد حروف موزونة، بل حمل مضامين دينية قوية، فيها تذكير بالله واليوم الآخر، ومحاربة للغفلة، ودعوة صريحة للعودة إلى الله. يقول في إحدى قصائده الشهيرة:
ألا إننا كلُّنا بائدُ … وأيّ بني آدمَ خالدُ؟
وبدءُهم كان من ربِّهم … وكلٌّ إلى ربه عائدُ
في هذه الأبيات، يُجسد حقيقة الموت والزوال بأسلوب مؤثر، لا يحمل تكلفًا بل يخرج من قلب مؤمن يُدرك نهاية الطريق.
شعر الزهد والورع: مدرسة وعظية كاملة
تميّز شعر أبي العتاهية بتركيزه على الزهد والتقوى، فكان كثيرًا ما يُذكّر الناس بعدم الاغترار بالدنيا، وبضرورة محاسبة النفس، والتفكر في المصير. ومن أشهر ما قال:
لا شيءَ مما ترى تبقى بشاشتهُ … يبقى الإلهُ ويفنى المالُ والولدُ
لم تغنَ عن هرمز يوماً خزائنه … والخلدُ قد حاولتْ عادٌ فما خلدوا
في هذه الأبيات، يُجرد الدنيا من زينتها، ويرفع بصر الناس إلى الآخرة، مُبرزًا فناء كل شيء سوى وجه الله.
ورغم بداياته في الغزل والمديح، إلا أن أبا العتاهية اتخذ موقفًا صارمًا بعد ذلك، فترك شعر اللهو والترف، وقال:
“قد كنت أقول الشعر فإذا رأيتني قد قلتُ فيه شيئًا من الغزل مرة أخرى، فاكسروا قلمي!”
وكان يرى أن الشعر وسيلة لإصلاح القلوب، لا لإثارة الغرائز أو مدح الدنيا. وقد عارض هذا التوجه بعض الشعراء في زمانه، لكنه ثبت على موقفه، وصار نموذجًا للشاعر الواعظ.
ورغم تقربه من خلفاء بني العباس مثل هارون الرشيد والمأمون، لم يكن أبو العتاهية من شعراء المجاملة، بل كان صريحًا في وعظه، حتى إنه أنشد أمام الرشيد أبياتًا تذكّره بالموت والفناء، دون خوف أو تردد، ومنها:
أراكَ تُجاهدُ جهْدَ الحريص … وتجمعُ مالاً وقلبُك قاسِ
كأنَّكَ لا تموتُ؟! فاغترَرْتَ … بدنياك، والمرءُ فيها يُساسِ
لقد كان أبو العتاهية شاعرًا فريدًا في عصره، جمع بين البلاغة والصدق، وبين قوة الشعر وحرارة الإيمان. ترك لنا كنزًا من الأدب الإسلامي، وأثبت أن الشعر يمكن أن يكون بابًا للهداية، لا مجرد وسيلة للمدح والتكسب.
وما زالت أبياته تُقرأ وتُتداول في المساجد والمحافل، لأنها خرجت من قلبٍ تائب، ولسانٍ نطق بالحكمة بعد التوبة، فكتب الله لها القبول والبقاء.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أبو العتاهية, الزهد في الاسلام, الشعر الإسلامي, الشعر في الاسلام, مدح الرسول



