![]()
آليات مواجهة التغريب وبناء الوعي الحضاري
حركة التغريب كانت وستظل مشروعًا لإعادة تشكيل الوعي الإسلامي من الداخل، عبر تحويل الإنسان المسلم من صاحب رسالة إلى مجرد مستهلكٍ للنماذج الغربية في الفكر والسلوك والتنظيم.
ومن هنا، فإنّ مواجهة التغريب لا تكون بالانغلاق ولا بالرفض العاطفي، بل بـ بناء وعيٍ حضاريٍّ متين يعيد للمسلم بوصلة الانتماء، ويوازن بين مقتضيات العصر وثوابت الدين.
أولاً: بناء الوعي بالهوية
الخطوة الأولى في مواجهة التغريب هي استرداد الوعي بالهوية الإسلامية بوصفها هوية حضارية متكاملة، لا تقتصر على الدين بالمعنى الطقوسي، بل تشمل منظومة فكرية وأخلاقية تنبثق من الإيمان بالله وعمارة الأرض وفق هداه.
فالوعي بالهوية لا يعني الانغلاق على الذات، بل يعني أن يعرف المسلم من هو، وما مصدر قيمه، وما الغاية من وجوده، حتى لا يصبح تابعًا لغيره في الفكر والمعنى. كما أن إدراك تاريخ الأمة وإنجازاتها العلمية والثقافية يمثل حصنًا ضد الذوبان في النموذج الغربي.
ثانيًا: إصلاح التعليم والثقافة
لا يمكن الحديث عن تحصين الأمة من التغريب دون إصلاح منظومة التعليم التي تمثل الرافعة الأولى لبناء الوعي.
يجب أن تُعاد صياغة المناهج التعليمية على نحوٍ يربط بين العلم والإيمان، ويغرس في النفوس قيمة الشريعة ومكانة اللغة العربية، ويقدّم التاريخ الإسلامي كمسار حضاري لا كمجرد سردٍ للأحداث.
أما في مجال الثقافة والإعلام، فالمطلوب هو إحياء الوعي النقدي القادر على تمييز الصالح من الدخيل، وتشجيع الإنتاج الفني والأدبي الذي يعبر عن قيم الأمة وجمالياتها دون أن يقع في فخ التقليد أو الابتذال.
ثالثًا: بناء البدائل الحضارية
لا يكفي رفض التغريب، بل لا بد من تقديم البدائل الحضارية الأصيلة التي تستجيب لحاجات العصر بلغة العصر.
فالإسلام لا يناهض المدنية أو العلم، بل يقدّم نموذجًا متفردًا يجمع بين العقل والإيمان، والمصلحة والأخلاق. ومن هنا تأتي ضرورة تأسيس مؤسسات فكرية واقتصادية وتقنية تعكس روح الشريعة، وتقدم نموذجًا عمليًا في الإدارة والاقتصاد والفن، يبرهن أن القيم الإسلامية قادرة على الإبداع لا الجمود.
وقد نبه المفكر الجزائري مالك بن نبي إلى أن “مشكلتنا ليست في الاستعمار، بل في القابلية للاستعمار”، أي في غياب النموذج الداخلي القادر على منافسة الوافد.
رابعًا: تفعيل دور العلماء والمثقفين
يُعدّ العلماء والمفكرون والمثقفون خط الدفاع الأول ضد مشاريع التغريب. فعليهم تقع مسؤولية صياغة خطابٍ تجديديٍ عميق يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويقدّم الدين بلغةٍ عقلانية تُقنع الجيل الجديد دون أن تُفرّغ المضمون من قدسيته.
كما ينبغي أن يُسهم العلماء في إعادة بناء الثقة بين الأمة ودينها، عبر حضورهم في قضايا المجتمع، وإحياء روح الاجتهاد، ومواجهة التيارات المنحرفة التي تحاول تفكيك الثوابت باسم “الحداثة”.
خامسًا: الإعلام الواعي والمجتمع المقاوم
لا يمكن لأي مشروع حضاري أن ينجح دون إعلامٍ واعٍ ومجتمعٍ مقاومٍ ثقافيًا.
فالإعلام الإسلامي مدعوّ اليوم إلى أن يكون صوت الوعي لا الصدى، وأن ينتقل من مرحلة الدفاع إلى مرحلة البناء؛ فيقدّم برامج تُعرّف بالهوية، وتُبرز قيم العدالة والجمال والعلم، وتُعيد الاعتزاز باللغة العربية بوصفها الوعاء الأول للوحي والحضارة.
أما المجتمع، فينبغي أن يتحول من جمهورٍ متلقي إلى فاعلٍ ومشاركٍ في صناعة الوعي، بدءًا من الأسرة والمدرسة، وانتهاءً بالمؤسسات الثقافية والاقتصادية التي تصوغ حياة الناس.
نحو مشروع حضاري متكامل
مواجهة التغريب ليست معركة فكرية فحسب، بل هي مشروع نهضة شامل يقوم على استعادة الثقة بالنفس، والإيمان بقدرة الإسلام على تقديم نموذجٍ إنسانيٍّ راقٍ، يجمع بين الإيمان بالسماء والعمران في الأرض.
إنها معركة وعيٍ قبل أن تكون صدامًا، ومعركة بناءٍ قبل أن تكون رفضًا. فحين تمتلك الأمة وعيها الحضاري، تستطيع أن تتفاعل مع العالم من موقع الشاهد لا التابع، وتمنح الإنسانية رؤيتها التي لا تُقصي العقل ولا تفرّغ الروح.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الوعي الحضاري, حركة التغريب, رموز التغريب, مشروع حضاري, مواجهة التغريب



