![]()
آراء الفقهاء.. قراءة البسملة في الصلاة
البسملة موضع دقيق تتقاطع عنده الرواية بالفقه، والأثر بالاجتهاد، والصوت بالسكوت. وحين يقف الإمام ليؤم الناس في الصلاة، تبرز مسألة البسملة بوصفها سؤالًا قديمًا متجددًا: هل يقرأها أصلًا؟ وإذا قرأها، أفَيُسمِع الناس بها أم يطويها في سرّه؟ هذا الخلاف، على قدمه، لم يكن يومًا خلاف تضاد، بل اختلاف تنوّع، تشكّل عبر قراءات متعددة للنصوص وفهم دقيق لمقاصد الصلاة وهيئتها، فصار نموذجًا ناصعًا لثراء الفقه الإسلامي واتساعه.
هل البسملة آية من الفاتحة أم لا؟
ينطلق الخلاف من سؤال تأسيسي: هل تُعدّ البسملة آية من سورة الفاتحة؟ ذهب الشافعية إلى أنها آية منها، بل آية كاملة تُقرأ في الصلاة، سرًّا وجهرًا بحسب الصلاة، استنادًا إلى آثار وروايات عدّوها صريحة في عدّها من الفاتحة. وعلى الضفة الأخرى، رأى المالكية والحنابلة في المشهور أن البسملة ليست آية من الفاتحة، وإنما آية مستقلة للفصل بين السور، أو آية في أوائل السور دون الفاتحة، وبنوا على ذلك عدم لزوم قراءتها ضمن الفاتحة. أما الحنفية فذهبوا إلى أنها ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها، لكنها قرآن نزل للفصل بين السور، وتُقرأ استفتاحًا لا جزءًا.
قراءة الإمام للبسملة: بين الإتيان وتركه
بناءً على هذا الأصل، اختلف الفقهاء في قراءة الإمام للبسملة في الصلاة. فالشافعية يرون أن الإمام يقرأها وجوبًا مع الفاتحة، لأنها منها، ولا تصح الفاتحة دونها. بينما يرى المالكية أن الإمام لا يقرأها أصلًا في الفريضة، لا سرًّا ولا جهرًا، عملًا بما تواتر عندهم من عمل أهل المدينة، واحتياطًا لئلا يُدخل في الفاتحة ما ليس منها. أما الحنابلة فيرون مشروعية قراءتها سرًّا دون الجهر بها، جمعًا بين الأدلة، وإعمالًا للأثر الوارد عن بعض الصحابة. والحنفية يذهبون إلى أن قراءتها مستحبة سرًّا قبل الفاتحة، لا على أنها منها، بل استفتاحًا مباركًا.
الجهر بالبسملة: صوت النص أم حكمة الإخفاء؟
إذا قرأ الإمام البسملة، فهل يجهر بها؟ هنا يتجدد الخلاف بوضوح. الشافعية يقولون بالجهر بها في الصلوات الجهرية، قياسًا على الفاتحة، واستدلالًا بما ورد من آثار عن بعض الصحابة في الجهر بها. في المقابل، يرى المالكية والحنابلة أن الإسرار بها أولى، بل المالكية يمنعون الجهر بها مطلقًا، حفاظًا على هيئة الصلاة كما نُقلت عندهم، ولئلا يُظن أنها من الفاتحة عند العامة. والحنفية يوافقون على الإسرار، لأن البسملة عندهم ليست محل جهر أصلًا. ويظهر في هذا الخلاف بُعد مقاصدي واضح، إذ لم يكن الجدل حول الصوت لذاته، بل حول ما يترتب عليه من تعليم أو لبس أو تغيير لهيئة الصلاة.
قراءة في اختلاف الفقهاء ومنهجهم
عند التأمل في هذه الآراء، يتبيّن أن الخلاف لم ينشأ من فراغ، بل من تنوّع في طرق الاستدلال، وتفاوت في ترجيح الروايات، واختلاف في اعتبار عمل الصحابة والأمصار. فكل مذهب قرأ النصوص من زاوية منهجية متماسكة مع أصوله، دون أن يطعن في صحة أصل الصلاة عند غيره. ومن هنا كان هذا الخلاف مثالًا حيًّا على الفقه المقارن، حيث تتجاور الآراء، لا لتتناقض، بل لتكشف عن سعة الشريعة وقدرتها على استيعاب الاختلاف دون أن تفقد وحدتها.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | آراء الفقهاء, البسملة في الصلاة, البسملة والفاتحة, الجهر بالبسملة, الخلاف الفقهي, الفقه المقارن, المذاهب الأربعة, قراءة الإمام



