![]()
دعوة الإسلام إلى نقاء القلب وسلامة الصدر
- خطب دينية, خطب مقروءة
الحمدُ للهِ على إِحْسَانِهِ، والشُّكرُ له على توفيقِه وامْتِنانِه، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ، تعظيمًا لشأنِه، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، الدَّاعِي إلى جنَّتِه ورِضوانِه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِه وأصحابِه وأعوانِه.
أمَّا بعدُ:
فالحديث عن القلب حديث ذو شجون، وخطاب القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة يتحسس القلوب المؤمنة، والنفوس الصادقة ، والقلوب المريضة والغافلة ، لعلاجها من مرضها، وإيقاظها من غفلتها ، وفي هذا اللقاء نلقي الضوء حول جانب واحد من جوانب إصلاح القلب جانب تشتد الحاجة إليه، ويجدر التنبيه عليه في وقت انشغل أكثر الناس فيه بالظواهر واستهانوا بأمر البواطن مع أن الله تعالى لا ينظر إلى الأجساد والصور، ولكن ينظر إلى القلوب والأعمال هذا الجانب -يا عباد الله- هو سلامة الصدر..
ومعنى سلامة الصدر: خلو القلب من الغل، والحقد، والحسد، والضغينة والبغضاء لعباد الله، إنها الراحة المعجلة في الدنيا، والنجاة المؤكدة في الآخرة..
قال ابنُ تَيْميةَ-: “القلبُ السليمُ المحمودُ هو الذي يريدُ الخيرَ لا الشرَّ، ومآلُ ذلك بأنْ يعرِفَ الخيرَ والشرَّ، فأمَّا مَنْ لا يعرِفُ الشرَّ فذاكَ نَقْصٌ فيهِ لا يُمْدَحُ به”..
ووصَف تلميذه العلامة ابنُ القَيِّمِ القلبَ السليمَ فقالَ: “القلبُ السليمُ هو الذي سَلِمَ من الشِّركِ والغِلِّ والحِقْدِ والحَسَدِ والشُّحِّ، والكِبْرِ وحُبِّ الدُّنيا والرِّئاسةِ”..
العنصر الأول
حرص الإسلام على نقاء القلب وسلامة الصدر
إن الإسلام قد حرص حرصا أكيدا على تأليف القلوب بين المسلمين، وإشاعة المحبة والمودة وإزالة العداوة والتشاحن، وجعل سلامة الصدر، علامة فضل وتشريف..
روى ابن ماجة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّم-: “أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: “كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَان” قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْب؟ قَال: “هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ وَلَا حَسَد”..
وتأملوا -معشر المؤمنين- في تعبير النبي -صلى الله عليه وسلم- بـ “مخموم القلب”، والمخموم: من خممت البيت إذا كنسته ، أي أنه ينظف قلبه في كل وقت بين الفينة والأخرى، مما يدل على أن الأمر ليس سهلا، ولابد له من مجاهدة وصبر ولا يقوى عليه إلا الأشدّاء من الناس ؛ لذلك استحق رتبة أفضل الناس، وكان عند الله بالمكانة العليا، وهذا هو حال صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذين أثنى الله على أخلاقهم وجعل لهم نصيباً من الفيء والغنائم، فقال -سبحانه-: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصىادقون) [الحشر: 8]..
ثم قال عن الأنصار: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر: 9]..
فيا لها من شهادة ربانية يكشف الله فيها عن مكنون صدورهم، ويخبر أنهم لا يحملون في قلوبهم غلاً ولا حقداً أو حسداً على إخوانهم المهاجرين ؛ لكونهم أفضل منهم؛ فقد جمع المهاجرون بين النصرة والهجرة..
ثم بين الله حال من جاء بعد الصحابة إلى يوم القيامة، وما ينبغي أن يكونوا عليه من محبة للصحابة وللمؤمنين بصفة عامة وسلامة للصدر عليهم فقال: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [الحشر: 10]..فما أجمل أن يتمثل المؤمن هذا الدعاء، وأن يلهج به صباح مساء؛ فإن كثيراً من الناس اليوم يتورع عن أكل الحرام أو النظر الحرام ويترك قلبه يرتع في مهاوي الحقد والحسد والغل..
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ، وَلَا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» [رواه أحمد]..
لذلك ؛ امتنّ الله على رسوله -صلى الله عليه وسلم- بأن أوجد له طائفة من المؤمنين متآلفة قلوبهم؛ فقال -سبحانه-: (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)[الأنفال: 62- 63].
والمؤمن النقي سليم الصدر هو الذي يتعامل مع الناس بمنطق القائل :
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد * جاءت محاسنه بألف شفيعِ..هكذا إذا صفاء وود، إخاء وحب، قلب سليم ونفس صافية، وصدر يحتمل الزلات، ويغفر الخطايا، ويمحو بالإحسان الإساءة..
العنصر الثاني
سلامة الصدر من صفات الأنبياء والمرسلين عليهم السلام..
وصف الله تعالى خليلَه نبي الله إبراهيم عليه السلام، بهذه الصفة الجليلية فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِن شِیعَتِهِۦ لَإِبۡرَٰهِیمَ ،إِذۡ جَاۤءَ رَبَّهُۥ بِقَلۡبࣲ سَلِیمٍ﴾ [الصافات: ٨٣: ٨٤]، أي: “بقلب سليم من الشرك ومن غيره من الآفات كالحسد ، والغل ، والخديعة ، والرياء، والمراد بمجيئه ربه بقلبه: إخلاص قلبه لدعوة الحق، واستعداده لبذل نفسه ،
وكل شيء يملكه في سبيل رضا ربه عز وجل” [التفسير الوسيط للقرآن الكريم]..
وهذا نبي الله يوسف عليه السلام حينما التقى بإخوته قال لهم على سبيل الصفح والعفو ﴿لَا تَثۡرِیبَ عَلَیۡكُمُ ٱلۡیَوۡمَۖ یَغۡفِرُ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِینَ﴾ [يوسف: ٩٢]، ثم أعلن سلامة صدره تجاههم حيث أسند ما فعلوه معه إلى الشيطان؛ لأن في ذلك سترًا عليهم وتأدبًا معهم فقال حكاية عنه: ﴿مِنۢ بَعۡدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّیۡطَٰنُ بَیۡنِی وَبَیۡنَ إِخۡوَتِیۤۚ﴾ [يوسف: ١٠٠].
أما سيدنا محمد ﷺ؛ فقد بلغ في طهارة القلب وسلامته من الأحقاد والضغائن وسائر الآفات القلبية غاية الكمال، حتى استحق أن يمتن الله سبحانه وتعالى عليه بقوله: ﴿أَلَمۡ نَشۡرَحۡ لَكَ صَدۡرَكَ﴾ [الشرح: ١]، فلم يكن شرح الصدر النبوي مجرد سعة في الصبر وقوة التحمل، بل كان نورًا وإيمانًا ورحمةً وحِلمًا وعفوًا، حتى اتسع قلبه للناس جميعًا؛ يؤذيه قومه فيعفو، ويكذبونه فيدعو لهم، ويخرجونه من وطنه ثم يقول لهم يوم الفتح: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءِ»، فكان ﷺ أصفى الناس صدرًا، وأطهرهم قلبًا، وأبعدهم عن الغل والحقد والانتقام للنفس..
لقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحرص الناس على سلامة قلبه، فكان يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا، وَلِسَانًا صَادِقًا، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ”.
وكان يقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه ابن مسعود: “لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ، وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ”[أبو داود]..
العنصر الثالث
أسباب وعلامات سلامة الصدر ثمت أسباب تعين المؤمن على سلامة الصدر ومن ذلك ما يلي
١-تلاوة القرآن الكريم وتدبر آياته وأحكامه..
فمن أسباب سلامة الصدر وعلاماته في نفس الوقت : الإقبال على كتاب الله -تعالى-: الذي أنزله شفاء لما في الصدور..قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ)[يونس: 57]..
لذلك أوصانا الله بحسن الانصات والاستماع إذا تليت آياته ..
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾سورة الأعراف:204 ..
٣-الدعاء بسلامة القلب من الأمراض والأحقاد
ومن أسباب سلامة الصدر: الدعاء دعاء الله -تعالى-: أن يجعل قلبك سليمًا من الضغائن والأحقاد على إخوانك المؤمنين..
قال -تعالى-: (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)[الحشر: 10]..
وإنَّ مِنْ دُعَاءِ إِبراهيمَ الخَلِيلِ: (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)[الشعراء: 87-89], وكان من دُعاءِ نبيِّنا محمدٍ -عليه الصلاة والسلام- دُبُرَ الصلاة، كما عند أحمد في مسنده: “أَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا”.
٤ـ إفشاء السلام..
و من أسباب سلامة الصدر وصلاح القلب: إفشاء السلام بين المسلمين؛ ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: “لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم”..
٥- المسارعة في عمل الخير والصدقات..
المسارعة في عمل الخير والصدقة ولو بشيء يسير فإنها تطهر الصدر وتذهب المرض وتزكي النفس ..
قال الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا … سورة التوبة:103..
وقال صلى الله عليه وسلم: (دَاوُوا مَرضاكُمْ بِالصَّدقةِ) حسّنه الالباني في صحيح الجامع .
قال سفيان بن دينار: (( قلت لأبي بشير -وكان من أصحاب علي-: أخبرني عن أعمال من كان قَبْلنا؟ قال: كانوا يعملون يسيرًا، ويُؤْجَرون كثيرًا. قلت: ولم ذاك؟ قال: لسَلَامة صدورهم )) الزهد لهناد بن السري..
٦-مداواة القلب بأدوية ربانية
ومن أهم أسباب سلامة الصدر مداواة القلب..
قال الحسن البصري -رحمه الله-: داو قلبك؛ فإن حاجة الله إلى العباد صلاح قلوبهم، يعني أن مراد الله من عباده ومطلوبة صلاح قلوبهم؛ لأن القلب هو ملك الأعضاء وقائدُها لذلك علق الرسول -صلى الله عليه وسلم- صلاح الجسد كله بصلاح القلب في الحديث المشهور المتفق على صحته حديث النعمان بن بشير -رضي الله عنه- وفيه: “ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب”..
٧-قراءة سير الأنقياء الصالحين ..
فنقاء القلب وسلامة الصدر صفة عظيمة ، وطبع سليم ، وسلوك مستقيم ، لا يتصف بها إلا المؤمنون الصادقون ، المخلصون ، الطيبون، الأتقياء ، الأنقياء ، الأوفياء ، الذين يحبون الله ويؤثرون رضاه على ما سواه ، الذين يحبون ويؤثرون الحياة الباقية على الحياة الفانية، أولئك هم الذين يتصفون بهذا الطبع يتصفون بسلامة الصدر وطيب النية وحسن الطوية ، ونقاء الخاطر وصفاء السريرة ..
عن سيدنا أنس بن مالكٍ رضي الله عنه، قَالَ: “كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ، قَدْ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضًا، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأُولَى، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ ﷺ، تَبِعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما، فَقَالَ: إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي (أي خاصمته)، فَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ، فَعَلْتَ- قَالَ: نَعَمْ- قَالَ أَنَسٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثَ، فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَّ وَتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللهَ عز وجل، وَكَبَّرَ، حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا، فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلَاثُ لَيَالٍ، وَكِدْتُ أَنْ أَحْقِرَ عَمَلَهُ، قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللهِ، إِنِّي لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَبٌ وَلَا هَجْرٌ ثَمَّ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ لَكَ ثَلَاثَ مِرَارٍ: «يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلَاثَ مِرَارٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ، لِأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ، فَأَقْتَدِيَ بِهِ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَلٍ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، قَالَ: فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ” [رواه أحمد]…
قال ابن رجب -رحمه الله- عن بعض السلف: “أفضل الأعمال سلامة الصدور وسخاوة النفوس، والنصيحة للأمة وبهذه الخصال بلغ من بلغ لا بكثرة الاجتهاد في الصوم والصلاة”، أرأيتم كيف شهد النبي -صلى الله عليه وسلم- لرجل من أصحابه بالجنة مع شهادة الرجل على نفسه أنه ليس كثير صلاة فما السر في ذلك؟ السر في نقاء القلب وسلامة الصدر..
العنصر الرابع
سلامة الصدر من صفات أهل الجنة
أخبر سبحانه ما هم عليه في الجنة من صفاء نفسي، ونقاء قلبي فقال تعالى: ﴿وَنَزَعۡنَا مَا فِی صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ إِخۡوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرࣲ مُّتَقَٰبِلِینَ﴾ [الحجر: ٤٧]..
و قال -تعالى-: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ)[الأعراف: 43].
رَوَى الْقَاسِمُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: “يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ عَلَى مَا فِي صُدُورِهِمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ الشَّحْنَاءِ وَالضَّغَائِنِ حَتَّى إِذَا تَوَافَوْا وَتَقَابَلُوا نَزَعَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِهِمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ غِلٍّ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَنَزَعۡنَا مَا فِی صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ﴾” [رواه ابن جرير في جامع البيان].
عن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَخْلُصُ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ…، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الجَنَّةِ» [رواه البخاري]..
وأما قلوب المؤمنين فهي رقيقة مألوفة؛ كما جاء في صحيح مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -عليه الصلاة والسلام- قَالَ: “يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَقْوَامٌ أَفْئِدَتُهُمْ مِثْلُ أَفْئِدَةِ الطَّيْرِ”( أخرجه مسلم)؛ قال شُرَّاحُ الحديث: “وتَشْبِيهُهُ بِأَفْئِدَةِ الطَّيْرِ بِسَبَبِ رِقَّتِهَا وعَدَمِ انْزِعَاجِ الناس منها”..
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، وَالَّذِينَ عَلَى إِثْرِهِمْ كَأَشَدِّ كَوْكَبٍ إِضَاءَةً، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لاَ اخْتِلاَفَ بَيْنَهُمْ وَلاَ تَبَاغُضَ» [رواه البخاري]..
وختاماً:إن سلامة الصدر ونقاء القلب من أسباب السعادة في الدنيا والآخرة أما في الدنيا فهو مفتاح المجتمع المتماسك الذي لا تهزه العواصف، ولا تؤثر فيه الفتن، وكيف -يا ترى- يكون مجتمع تسوده الدسائس والفتن، وتمتلئ قلوب أفراده غشاً وحسداً وأمراضاً؟ أفذاك مجتمع أم غابة وحوش وذئاب؟..
وفي الآخرة فإن نجاة العبد يوم القيامة مرتبط بسلامة قلبه، قال تعالى عن سيدنا إبراهيم -عليه السلام-: (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء: 87 – 89]..
نسألك يا ربنا قلبا سليما ، ولسانا صادقا ، وعملا متقبلا ، واللهم طهر قلوبنا من النفاق ، وأعمالنا من الرياء ، وألسنتنا من الكذب وأعيننا من الخيانة ، واللهم وفقنا لمراضيك وجنبنا مناهيك واجعل مستقبل أيامنا خيرا من ماضيه ، واحفظ بلدنا مصر وجميع بلاد المسلمين
وعليك بالصهيانة المعتدين، ومن وقف بجانبهم يا رب العالمين..
- كلمات مفتاحية | أنس بن مالك, الأنصار, الحسن البصري, المهاجرين, النبي صلى الله عليه وسلم, عبد الله بن عمرو



