![]()
أحوال القلوب
- خطب, خطب مقروءة
الحمد لله الذي أمر بالفرار إليه، ورغَّب في التوكل عليه، أحمده حمدًا نسعدُ به بين يديه، وأشكره سبحانه ولا أحصي ثناءً عليه.
لك الحمد يا منان حمدًا مباركًا
يدوم كثيرًا طيبًا متتابعًا
لك الحمد بالإسلام أكبر نعمة
أيا رب واجعلني تقيًّا وطائعًا
لك الحمد بالقرآن خير مُنزَّلٍ
هدىً وشفاءً ثم نورًا وشافعًا
لك الحمد بالمختار أكرم مرسل
أيا ربُّ سددني أكون متابعًا
لك الحمد أن عافيتنا ورزقتنا
من الخير يا ربي كثيرًا وواسعًا
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، عليه أتوكل وأعتمد، وإليه ألتجئ وأستند، ومنه أطلب وأستمد، وبه أعتصم مما يصم، من توكل عليه كفاه، ومن اتقاه أنجاه، ومن فر إليه آواه.
إليك وإلا لا تُشدُّ الركائب
وفيك وإلا فالمؤمِّل خائبُ
ومنك وإلا فالرجاء مُضَيّعٌ
وعنك وإلا فالمحدث كاذبُ
وأشهد أنّ محمدًا عبدُ الله ورسوله، أحسن الناس توكلًا على الله، وأسرعهم فرارًا إلى خالقه ومولاه، فصلوات الله وسلامه عليه ما تحركت الشفاه، ونطقت الأفواه، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلن، {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون} [سورة آل عمران: 102].
عباد الله: إن الله أمر عباده بالفرار إليه، وحثّ على صدقِ التوكل عليه، فقال سبحانه: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [سورة الذاريات: 50]، قال ابن كثير رحمه الله: “أي: الجئوا إليه، واعتمدوا في أموركم عليه”. وقال الطبري رحمه الله: “أي: فاهْربُوا أيُّها الناسُ من عقابِ اللَّهِ إلى رحمتِه بالإيمانِ به، واتِّباعِ أمْرِه، والعملِ بطاعتِه”. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: “فِرُّوا إِلَى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ مِنْ ذُنُوبِكُمْ. وَعَنْهُ: فِرُّوا مِنْهُ إِلَيْهِ وَاعْمَلُوا بِطَاعَتِهِ”.
فِرُّوا إلى اللهِ معناها أن اتكلوا
عليه سبحانه في السر والعلنِ
فِرُّوا إلى اللهِ معناها أن اعتمدوا
عليه سبحانه في السهل والحَزَنِ
فِرُّوا إلى اللهِ معناها أن التجئوا
إليه سبحانه في الأَيدِ والوهَنِ
فِرُّوا إلى اللهِ معناها أن امتثلوا
أوامر الله في القرآن والسننِ
وتجديدُ عهدِ الفرار إلى الله مستحبٌّ في كل ليلة، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، وَاجْعَلْهُنَّ مِنْ آخِرِ كَلَامِكَ، فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ مُتَّ وَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ”. والحديث فيه معنى الفرار إلى الله والتسليم إليه، وأوضح جملة في معنى الفرار، هي قوله: ” لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ “، فحالُ الأولياء هو الفرار إلى الله، يفرون من غيره إليه، ويفرون منه إليه سبحانه، فلا مهرب منه إلا إليه، قال ابن القيم رحمه الله: “وَحَقِيقَةُ الْفِرَارِ: الْهَرَبُ مِنْ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ، وَهُوَ نَوْعَانِ: فِرَارُ السُّعَدَاءِ، وَفِرَارُ الْأَشْقِيَاءِ، فَفِرَارُ السُّعَدَاءِ: الْفِرَارُ إِلَى اللَّهِ عز وجل، وَفِرَارُ الْأَشْقِيَاءِ: الْفِرَارُ مِنْهُ لَا إِلَيْهِ، وَأَمَّا الْفِرَارُ مِنْهُ إِلَيْهِ فَفِرَارُ أَوْلِيَائِهِ”.
وفي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على هذا المعنى، فقد كان من دعائه: “اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ. وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ”. فقوله: ” وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ”. فيه معنى الفرار إلى الله سبحانه وتعالى، والالتجاء إليه.
عباد الله: كان الأنبياء أحسن الخلق توكلًا على الله، وأكثرهم فرارًا إلى الله عز وجل، فقد فر الخليل إبراهيم عليه السلام بقلبه إلى الله حينما كان مكبلًا مقيدًا، والكفار يلقونه في النار، فقال: “حسبي الله ونعم الوكيل”، فقال الله تعالى: {يَا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ} [سورة الأنبياء: 69]. وبعد نجاته من النار أعلن فراره إلى الله بقلبه وبدنه: {وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ} [سورة الصافات: 99].
وفرَّ الكليمُ موسى عليه السلام إلى الله عز وجل حينما هُدِّد بالقتل وأُخيف، فخرج في طريق غير معروف، {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ} [سورة القصص: 22]، ولمّا وصل وسقى للفتاتين، {تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [سورة القصص: 24]، ولما وصل إلى طريقٍ مسدود، وكاد أن يدركه فرعونُ والجنود، {قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، قالَ كَلَاّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ} [سورة الشعراء: 61-62]. فأنجاه الله وأظفره، وأيده ونصره، كما قال رب العالمين: {وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ} [سورة الشعراء: 65].
وأعلن نوحٌ عليه السلامُ فراره إلى الله، وتحدى قومه بملء فاه، كما قال الله: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ} [سورة يونس: 71].
وفرَّ أيوب عليه السلام من المرض إلى الله، وقد كان صابرًا محتسبًا، فلما حزّ في نفسه ما قاله بعض الشامتين، عند ذلك فرَّ بتضرعه إلى رب العالمين، كما في القرآن الكريم: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ} [سورة الأنبياء: 83-84].
فِرُّوا إلى اللهِ من داءٍ ألمّ بكم
فالله يشفي مريض النفسِ والبدَنِ
وفرّ يعقوبُ عليه السلامُ إلى الله بعد غيابِ ولديه، وذهاب النظر من عينيه، وقيل له: {تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ، قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [سورة يوسف: 85- 86]، فردَّ اللهُ عليه بصره، وأعاد له ولديه ونضّره، وأعلى شأنه ونصره.
وفرّ هودٌ عليه السلامُ إلى الله من أذى قومه، {قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ، إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ} [سورة هود: 54- 56].
وفرّ زكريا عليه السلامُ من معضلة عدم الإنجاب، والتجأ إلى الملك الوهاب، {هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ، فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى} [سورة آل عمران: 38-39].
وفرَّت أم إسماعيل إلى اللهِ عندما وضعها الخليل في وادٍ غير ذي زرع، وَجَعَلَ لا يَلْتَفِتُ إِلَيْها، فَقالَتْ لَهُ: “آللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذا؟”، قالَ: “نَعَمْ”. قالَتْ: “إِذَنْ لا يُضَيِّعَنا”.
فِرُّوا إلى اللهِ إن ضاقت مذاهبكم
فاللهُ يفتح ما قد ضاقَ في الوطنِ
وفرّ يونسُ عليه السلام إلى الله وهو في بطن الحوت، {فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [سورة الأنبياء: 87-88].
فِرُّوا إلى اللهِ من أي البقاع فما
يحتاج قاصدُه بعدًا عن السكنِ
وفرَّ نبينا صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل وهو في الغار، لما قيل: “لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لأَبْصَرَنا”. قالَ: “ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما؟”.
وكلّنا بمختلف حوائجنا نستطيع الفرار إلى الله كما فرّ الأنبياء عليهم السلام:
لستُ من ثلّة النبيّينَ حتّى
يبلغ الصدقُ في الفؤادِ مداهُ
بيد أنّي قصدتُّ من قد دَعَوْهُ
نحنُ شتّى وأنتَ.. أنتَ اللهُ
ومما يجعلنا نفرُّ إلى الله في كل شؤون حياتنا: أن اللهَ أرحمُ بنا من أمهاتنا، وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثالًا قرّب فيه عظيم رحمة الله بعباده، فعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قال: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ، فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقالَ لَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: “أَتَرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟”، قُلْنَا: لَا وَهيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ. فَقالَ: “لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا”.
وكلما تكرر الفرار إلى الله عز وجل زاد الإكرام منه وكثُر، فلا يمل من فرار خلقه إليه سبحانه، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: “مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو، لَيْسَ بِإِثْمٍ وَلَا بِقَطِيعَةِ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَدْفَعَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا”. قَالَ: إِذًا نُكْثِرُ! قَالَ: “الله أكثر”.
بل كلما فرّ العبد إلى الله أكرمهُ وقربه، وكافأه أضعاف ما عمله وقربه، كما في الحديث القدسي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: “أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً”.
وينبغي أنْ يعظم استشعارُ الفرار إلى الله والحرصُ عليه في الابتلاءات والنوائب، وعند حلول الفتن والمصاعب، فنفر إلى العبادة والطاعة، والدعاء والضراعة، كما أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: “الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ”. قال النووي رحمه الله: “الْمُرَادُ بِالْهَرْجِ هُنَا: الْفِتْنَةُ وَاخْتِلَاطُ أُمُورِ النَّاسِ، وَسَبَبُ كَثْرَةِ فَضْلِ الْعِبَادَةِ فِيهِ أَنَّ الناس يغفلون عنها ويشتغلون عنها ولا يتفرغ لها إلا أفراد”. وتشبيه العبادة في أيام الفتن بالهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يدل على أمرين اثنين: الأول: فضيلة العبادة في أيام الفتن، والثاني: أن تشبيهها بالهجرة فيه معنى الانتقال والفرار إلى الله سبحانه وتعالى، فالهجرة تقتضي الانتقال من بلد إلى بلد، فدل على فرار العباد إلى ربهم حتى وإن كانوا في بيوتهم وبلدانهم.
فِرُّوا إلى اللهِ إنْ حادتْ ركائبكم
عن الطريقِ بكم في مَهمهِ الفتنِ
إنَّ الفرار إلى المولى خلاصتُه
القصدُ بالقلب دونَ الركضِ بالبدنِ
فِرُّوا إلى اللهِ والتقوى بضاعتكم
فالزاد زاد التقى لا زاد مرتهَنِ
ومما دلت عليه سنة النبي صلى الله عليه وسلم: أن الفرار إلى حِلق العلم وأماكن الذكر من أفضل أنواع الفرار إلى الله، وأن من فعل ذلك فإن الله يُثيبه ويؤويه، ويكرمه ويعطيه، فعَنْ أَبِي واقِدٍ اللَّيْثِيِّ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَما هو جالِسٌ فِي المَسْجِدِ والنَّاسُ مَعَهُ، إِذْ أَقْبَلَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، فأَقْبَلَ اثْنانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَذَهَبَ واحِدٌ، قالَ: فَوَقَفا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فأَمَّا أَحَدُهُما: فَرأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فيها، وأَمَّا الآخَرُ: فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وأَمَّا الثَّالِثُ: فأَدْبَرَ ذاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: “أَلا أُخْبِرُكُمْ عن النَّفَرِ الثَّلاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فأَوَى إلى اللَّهِ فآواهُ اللَّهُ، وأَمَّا الآخَرُ فاسْتَحْيا فاسْتَحْيا اللَّهُ مِنْهُ، وأَمَّا الآخَرُ فأَعْرَضَ فأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ”. فقوله عليه الصلاة والسلام: ” فأَوَى إلى اللَّهِ فآواهُ اللَّهُ”، إشارة إلى فضيلة الفرار إلى العلم والحرص عليه، وأنه من الفرار إلى الله، الذي يُنال به رضاه.
فِرُّوا إلى اللهِ في علمٍ ومعرفةٍ
فالعلم يرفعُ أقوامًا إلى القُننِ
عباد الله: إن الله على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، وهو سبحانه أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، فينبغي أن نستحضر هذا كله، وأن نفر إلى الله في حياتنا كلها، في الشدة والرخاء، في السراء والضراء، في العافية والبلاء، في ضغوط الحياة والهموم، عند غلبة الديون والغموم، في كل أمر يخصنا أو في العموم:
فِرُّوا إلى اللهِ في خطبٍ ألمّ بكمْ
من للخطوبِ سوى الجبارِ ذي المننِ
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ، قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [سورة المؤمنون: 84-89].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والذكر الحكيم، قلت ما سمعتم وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، وقدوةً للعاملين، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فالفرار إلى الله ينبغي ألا يفارق الأذهان، في جميع الأمكنة والأزمان، حتى يسبق الأرواح قبل خروجها من الأبدان، من باب حسن الظن والشوق إلى الكريم المنان، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يَقُولُ: “لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ عز وجل”.
فِرُّوا إلى اللهِ ربي كل ثانيةٍ
فهو الملاذ لنا في سائر الزمنِ
فِرُّوا إلى اللهِ بالأرواحِ مرهفةً
كجوفِ طيرٍ لها كنٌّ على فَنَنِ
وينبغي لنا حالَ الفرار إلى الله أن تمتلئ قلوبنا بالثقة بالله سبحانه؛ فإنها زاد السائرين، ودليل الحائرين، فعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ رحمه الله، فِي قَوْلِهِ: {وَمَنْ يِعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} قال: “وَالاعْتِصَامُ هُوَ: الثِّقَةُ بِاللَّهِ”.
ومن وصايا بعض الحكماء، عند نزول البلاء، أن تتخذ وصفةً من ستةِ أخلاطٍ بلا استثناء: ” الْخَلْط الأول: الثِّقَة بِاللَّه عز وجل، والخلط الثَّانِي: علمي بِأَن كل مُقَدّر كَائِن، والخلط الثَّالِث: الصَّبْر خير مَا اسْتَعْملهُ المُبتلَون، والخلط الرَّابِع: إِنْ لم أَصْبِر أَنا فَأَي شَيْء أعمل، وَلِمَ أُعين على نَفسِي بالجزع، والخلط الْخَامِس: قد يُمكن أَن أكون فِي شَرّ مِمَّا أَنا فِيهِ، والخلط السَّادِس: من سَاعَةٍ إِلَى سَاعَةٍ فرج”.
وقد جرّب قوم الفرار إلى غير الكريم الرحمن، فحصدوا الندامة والخسران، وباؤوا بالفشل والحرمان، حتى قيل في ذلك:
إنّ الفرارَ إلى المخلوق منقصةٌ
أما إلى اللهِ فهو الأخذ بالحسنِ
فِرُّوا إلى اللهِ لا تستسلموا أبدًا
لليأسِ أو تقنطوا في شدة المِحَنِ
فِرُّوا إلى اللهِ معناها أن انتظروا…
منه العطايا بلا خوفٍ ولا وهَنِ
فِرُّوا إلى اللهِ من همٍّ يؤرِقكم
فالله يكشفُ كلَّ الهمِّ والحزَنِ
وقال يحيى بن معاذ رحمه الله: ” ثلاثُ خصالٍ من صفةِ الأولياء: الثقةُ باللهِ في كلّ شيء، والغنى به عن كلّ شيء، والرجوع إليه من كلّ شيء”.
ثم اعلموا أن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، ثم ثنى بالملائكة المسبحة بقدسه، ثم أيَّهَ بكم معاشر المؤمنين من جنه وإنسه، فقال جل من قائل عليماً: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]. اللهم صلِّ وسلمْ على عبدك ورسولك محمد النبي الهاشمي الأوفى، وارض اللهم عن الأربعة الخلفا، والسادة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أهل الصدق والوفاء، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان ولطريقتهم اقتفى، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا خير من تجاوز وعفا.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، واجعل هذا البلد مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين.
اللهم أقمْ علمَ الجهاد، واقمع سبيل أهل الشرك والريب والفساد، وانشر رحمتك على هؤلاء العباد، يا من له الدنيا والآخرة وإليه المعاد.
اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المسلمين، ونفِّس كربَ المكروبين، واقضِ الدَّينَ عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم وفِّق ولاة أمور المسلمين لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلِح لهم البِطانَةَ والأعوان، يا ذا الجلال والإكرام.
{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201].
سبحان ربنا رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.



