![]()
“المقاصد التابعة”.. معالم شرعية وتطبيقات معاصرة
يمثل فقه المقاصد أحد أعمدة الفهم العميق للشريعة الإسلامية، ويعتمد على إدراك الغايات التي جاءت الأحكام لتحقيقها.
ومن بين عناصر هذا الفقه ما يُعرف بـ “المقاصد التابعة”، وهي تلك المقاصد التي لا تُشكّل أصل التشريع، لكنها مرتبطة به وتخدم تحقيق المقاصد الأصلية. وفهم هذه المقاصد يوسّع دائرة الاجتهاد ويمنح الفقهاء أفقًا أوسع في تنزيل الأحكام على الواقع.
والمقاصد التابعة، هي تلك الأهداف والغايات التي لا تمثل الغرض الأساسي للتشريع، لكنها تُعدّ وسائل خادمة للمقاصد الأصلية، أو نتائج مترتبة عليها تُراعى عند الإفتاء والتنزيل.
فإذا كانت المقاصد الأصلية مثل حفظ الدين، النفس، العقل، النسل، والمال؛ فإن المقاصد التابعة تشمل مفاهيم مثل التيسير، رفع الحرج، مراعاة العرف، سد الذرائع، تحقيق المصلحة العامة، وتكميل الواجبات.
وهذه المقاصد الفرعية لا تُناقض الأصول، بل تؤكدها وتُسهم في تحقيقها بصورة أعمق وأشمل.
أمثلة تطبيقية على المقاصد التابعة
برزت تطبيقات عديدة في الفقه الإسلامي تعكس مراعاة المقاصد التابعة، ومنها:
التيسير في العبادات عند المشقة: عند وجود مرض أو سفر، يُشرّع الجمع أو القصر في الصلاة، ويفطر الصائم في رمضان، وهذا يُظهر مقصد التيسير ورفع الحرج، وهو مقصد تابع خادم لحفظ الدين واستمرارية التكليف.
اعتبار العرف في المعاملات: كثير من الأحكام الفقهية المتعلقة بالبيع أو الزواج أو النفقة تراعي ما تعارف عليه الناس، وذلك تحقيقًا لمقصد الاستقرار الاجتماعي، وهو من المقاصد التابعة لحفظ المال والنسل.
سد الذرائع في المعاملات والعبادات: منع الحيل التي تؤدي إلى الربا، أو منع الخلوة بين رجل وامرأة أجنبية، كلها تطبيقات على مقصد “سد الذرائع”، الذي يمنع الطرق المؤدية إلى المفاسد، ويخدم حفظ الدين والخلق.
الترخيص في الضرورة والمصلحة العامة: إباحة أكل الميتة عند الاضطرار، أو فرض الحجر الصحي في زمن الأوبئة، هي أمثلة على مراعاة مقاصد تابعة مثل الضرورة العامة، والمصلحة المجتمعية، وهي في خدمة حفظ النفس والصحة العامة.
ويسهم فهم المقاصد التابعة في تطوير أدوات الاجتهاد، خاصة في القضايا المستجدة التي لا نص مباشر فيها، حيث يمكّن هذا الفهم الفقيه من الوصول إلى أحكام تحقق التوازن بين نصوص الشريعة ومتغيرات الواقع.
فعلى سبيل المثال، في فقه الأقليات المسلمة، تُراعى مقاصد تابعة مثل حفظ الهوية، ودرء الفتنة، وتحقيق السلم المجتمعي، عند إصدار الفتاوى المتناسبة مع واقع المسلمين في بلاد غير إسلامية.
كما أن السياسات الشرعية في الدولة الإسلامية يمكن أن تستند إلى مقاصد تابعة كتحقيق المصلحة العامة، وتنظيم الشأن العام، حتى وإن لم يكن هنالك نص تفصيلي في كل جزئية، فالمقاصد التابعة تُمثل أداة فكرية وشرعية مهمة في فقه الواقع والاجتهاد المعاصر، وهي تجسّد بُعد الرحمة والمرونة في التشريع الإسلامي. فليست الشريعة مجموعة أوامر ونواهٍ مجردة، بل منظومة تحقق مصالح العباد في الدنيا والآخرة، وتراعي تنوّع البيئات والأحوال.
وفهم هذه المقاصد يُعد ضرورة لكل فقيه ومفتٍ، ولجميع من يسعى لتفعيل الشريعة بما يتوافق مع روحها وغاياتها الكلية.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أهمية فقه المقاصد, فقه المقاصد



