![]()
زراعة الأعضاء: رؤية تأصيلية وتحليلية معاصرة
تُعد قضية زراعة الأعضاء من أبرز المسائل الفقهية الطبية المعاصرة التي أثارت اهتمام العلماء، لارتباطها المباشر بحياة الإنسان وكرامته، وقد تناولها الفقه المقارن بمقاربة علمية تجمع بين نصوص الشريعة ومقاصدها من جهة، ومستجدات الطب والواقع من جهة أخرى.
تعريف زراعة الأعضاء
يقصد بها: نقل عضو سليم أو نسيج حي من جسد إنسان إلى جسد إنسان آخر، بهدف إنقاذ حياته أو تحسين وظيفته الحيوية، سواء تم النقل من حيّ إلى حيّ، أو من ميت إلى حيّ.
موقف الفقهاء من زراعة الأعضاء
المذهب المالكي والشافعي “في الأصل”
كان الفقهاء المتقدمون يميلون إلى تحريم التصرف في أعضاء الإنسان، استنادًا إلى قاعدة: “حرمة الجسد الإنساني حيًّا وميتًا”، وعموم النهي عن التمثيل، وحرمة انتهاك حرمة الميت. لكن هذه الأقوال تعلقت غالبًا بزمن لم يعرف فيه الإمكانات الطبية الحديثة.
الفقه الحنفي: رجّح بعض فقهاء الحنفية المعاصرين جواز التبرع بالأعضاء بشروط، خصوصًا إذا كان ذلك لإنقاذ النفس، واعتبروا أن التبرع داخل تحت باب الإيثار، بشرط عدم وجود مقابل مادي، ووجود رضا المانح أو ورثته إن كان ميتًا.
الفقه الحنبلي: انقسم فقهاء الحنابلة المعاصرون إلى فريقين، إلا أن كثيرًا منهم، خاصة من المجامع الفقهية، أجازوا زراعة الأعضاء بضوابط شرعية، منها: التحقق من الموت، والرضا، وعدم البيع.
قرارات المجامع الفقهية
مجمع الفقه الإسلامي الدولي (جدة – منظمة التعاون الإسلامي، وفي دورة مؤتمره الرابع عام 1988م، أقرّ جواز نقل الأعضاء البشرية بشروط، ومنها:
أن يكون المنقول منه ميتًا موتًا دماغيًا محققًا شرعًا.
أن يكون المنقول إليه مضطرًا له.
أن يكون النقل بلا مقابل مادي.
الحصول على إذن مسبق من الميت قبل وفاته أو من ورثته بعد الوفاة.
كما أن هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية
أجازت الهيئة زراعة الأعضاء من الحي والميت وفق ضوابط، وأكدت أن ذلك من باب التعاون على البر والإحسان.
وكذلك، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف فقد أجاز المجمع نقل الأعضاء وفق الضرورة الطبية الملحة، واعتبر أن ذلك لا يتعارض مع كرامة الإنسان إذا تم بضوابط شرعية دقيقة.
الضوابط الشرعية في زراعة الأعضاء
وفقًا للفقه المقارن، فإن جواز زراعة الأعضاء يتوقف على عدة شروط وضوابط، أبرزها:
عدم الإضرار بالمتبرع الحي ضررًا جسيمًا.
تحقق الموت الحقيقي في حالة المتوفى.
موافقة المتبرع أو ورثته إذا كان متوفى.
عدم وجود مقابل مادي، للحيلولة دون الاتجار بالبشر.
وجود ضرورة أو حاجة مُلحّة لإنقاذ حياة أو استعادة وظيفة حيوية.
إن قضية زراعة الأعضاء، تُظهر مرونة الشريعة الإسلامية وقدرتها على مواكبة التطورات الطبية والإنسانية، من خلال الفقه المقارن الذي يجمع بين النصوص والمقاصد، ويوازن بين الحقوق والواجبات، ويؤكد على أن الحياة حق مقدس، والتيسير مقصد عظيم من مقاصد الإسلام.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الفقه الاسلامي, زراعة الأعضاء, قضايا فقهية معاصرة



