![]()
أصحاب القرية.. نمط متكرر لتكذيب الرسل
تُعد قصة أصحاب القرية في سورة “يس” من أعظم الأمثلة القرآنية التي تحمل في طياتها بلاغة إعجازية ولطائف ربانية، تحذر من التكذيب بالرسل، وتبرز نماذج نقيّة من الفطرة والإيمان.
وقد جاءت القصة بعد آيات إثبات الوحي والبعث، فجاء المثل ليجسد هذه القضايا الكبرى في نموذج واقعي مؤثر، يُبين كيف أن الحق واضح، وأن الهداية من نصيب من استجاب، وأن العاقبة للمتقين.
قال تعالى: “واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون”، وهو توجيه من الله تعالى إلى نبيه ليذكّر قومه بما حلّ بأولئك الذين رفضوا دعوة الرسل، رغم إرسال اثنين منهم ثم تعزيزهم بثالث، فكان ردهم الجاهل: “ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء”. فكانت اللطيفة هنا في تدرج الرحمة الإلهية؛ إذ أرسل رسولين ثم عزّز بثالث، ولم يُعاجلهم بالعقوبة.
وقد عبّر الرسل عن صدق دعوتهم بقولهم: “ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وما علينا إلا البلاغ المبين”، وهي من لطائف التعبير القرآني، حيث أُسند العلم إلى الله وحده، وجُعلت مهمتهم محصورة في البلاغ لا الإكراه.
ووسط هذا العناد، يظهر رجل من أقصى المدينة، ساعيًا لإحقاق الحق، ناصحًا قومه باتباع المرسلين، دون مقابل دنيوي. لطيفة أخرى نجدها في قوله: “وما لي لا أعبد الذي فطرني”، حيث يجعل ترك العبادة أمرًا مستغربًا، ويقدّم دليله على الإيمان بطريقة فطرية عاقلة مؤثرة. وقد ورد في بعض التفاسير أن اسمه حبيب النجار، وكان رجلًا بسيطًا لكنه صاحب قلب حي. قتله قومه، لكنه خُلّد في القرآن الكريم بنَفَس رقيق: “قيل ادخل الجنة”، دون تفصيل للعذاب أو لحظة الموت، كأن الجنة كانت أقرب إليه من أن يوصف ما جرى، وجاءت أمنيته النبيلة بعد استشهاده: “يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين”، في لطيفة قرآنية تبرز الصفح والشفقة حتى على من قتله.
أما القوم المكذبون، فكانت نهايتهم بصيحة واحدة فقط: “إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون”. وهنا إعجاز بلاغي، حيث عبّرت الآية عن بساطة وسرعة العقاب الإلهي، دون حاجة إلى جند من السماء أو عذاب طويل.
ورغم أن بعض المفسرين قالوا إن القرية هي أنطاكية، فإن جمهور العلماء المتأخرين استبعدوا هذا التفسير، لأن الأحداث تدل على زمن سابق لعيسى عليه السلام، في حين أن أنطاكية آمنت بعد رفعه، على يد حوارييه.
وتُظهر هذه القصة أيضًا نمطًا مكررًا من ردود أهل الشرك عبر العصور: التشكيك في بشرية الرسل، وادعاء الطيرة والتشاؤم منهم، وهي حجج واهية ردّ عليها القرآن في أكثر من موضع، مؤكدًا أن تلك الاعتراضات لا تصدر إلا عن قلوب أغلقت عن الحق.
ويظل الرجل المؤمن في هذه القصة نموذجًا خالدًا للإيمان الفطري والدعوة المخلصة، يقف في صفّ المرسلين، بلا قوة ولا مكانة دنيوية، لكنه قدّم بصوته ودمه درسًا خالدًا في نصرة الحق.
إن قصة أصحاب القرية ليست مجرد سرد، بل معجزة في التعبير، ومنجم لطائف قرآنية تربي العقل والوجدان، وتوقظ الضمير، وتضع كل قارئ أمام مفترق طريق: إيمان يهدي إلى الجنة، أو تكذيب يودي إلى الهلاك.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أسباب نزول القرآن الكريم, أصحاب القرية, قصص القرآن الكريم



