![]()
حديث القرآن عن الحر والجحيم
إشارات بليغة وتحذيرات بديعة
حديث القرآن عن الحر والجحيم
إشارات بليغة وتحذيرات بديعة
لم يكن حديث القرآن الكريم عن الحر والجحيم مجرد تصوير لحالة من العذاب أو المناخ الحار، بل جاء في غاية البلاغة والدقة، يحمل في طياته لطائف لغوية ودلالات روحية ونفسية تهدف إلى الوعظ والتذكير، كما يُرسخ في النفوس حقيقة الآخرة ومصير من أعرض عن الهداية.
ففي آياته، يربط الله تعالى بين حر الدنيا وحر الآخرة، ويستخدم مفردات مدروسة تُبرز شدة العذاب، وتوقظ القلوب الغافلة من سباتها.
الحر في القرآن: تذكير لا ينفصل عن الواقع
وقد جاء في الحديث النبوي الشريف:”إن شدة الحر من فيح جهنم” رواه البخاري ومسلم، وهو ما يؤكد الربط بين حرارة الشمس ووهج نار جهنم. هذا التذكير جاء ليحرك القلوب، ويُنبّه الإنسان إلى أن ما يعانيه من حرّ في الدنيا ما هو إلا جزء يسير من حرّ جهنم.
أما في القرآن، فقد وردت إشارات دقيقة لمظاهر الحر واللهب، من ذلك قوله تعالى:
“تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون” المؤمنون: 104. فاللفح هنا ليس مجرد حرارة، بل هو مسّ مباشر يغير ملامح الوجه، في صورة توحي بالقسوة والشدة.
وقد استخدم القرآن الكريم لفظ “الجحيم” للدلالة على النار العظيمة المتأججة، وهو اسم يحمل في طياته الرهبة والرهق. يقول تعالى:”وإن الفجار لفي جحيم. يصلونها يوم الدين”. الانفطار: 14-15. فاللفظ يوحي بالاستمرارية والإحاطة، وكأن الإنسان يُغمر في النار، لا فكاك له منها.
ومن لطائف التعبير أن لفظ “الجحيم” غالبًا ما يأتي مقرونًا بكلمة “الصلْي”، فالصلي هو الاحتراق الكامل، وهو يختلف عن مجرد التعرض للنار، ما يدل على عمق الألم واستمرار العذاب.
ومن أبرز اللطائف القرآنية أيضًا وصف الله تعالى بعض العذاب بـ”الريح السموم”، كما قال في شأن عاد:
“إنا أرسلنا عليهم ريحًا صرصرًا في يوم نحس مستمر. تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر”. القمر: 19-20.
فالريح هنا ليست باردة، بل شديدة الحرارة، تُهلك ولا تُبقي. واستخدام “السموم” يشير إلى حرارة قاتلة، تدخل في الجلد وتصل إلى العظام.
ومن بلاغة القرآن أنه لا يكتفي بوصف الجحيم في صورة واحدة، بل يُنوع في أساليبه. ففي موضع يتحدث عن “مسّ النار”:
“ثم لا يموت فيها ولا يحيى”.الأعلى: 13]
وفي موضع آخر يقول:”إنها عليهم مؤصدة. في عمد ممددة” . الهمزة: 8-9. فالمس يوحي بالابتداء، أما المؤصدة والعمد الممددة فتصور الحبس الكامل والانغلاق داخل النار، فلا خروج منها.
ومن اللطائف البديعة، أن القرآن لم يُغفل الحديث عن الحر في الحياة الدنيا كوسيلة للتذكير، كما في قوله تعالى:”قل نار جهنم أشد حرًا لو كانوا يفقهون”التوبة: 81. فالآية تقارن بين حرارة الدنيا التي قد تدفع الإنسان إلى الكسل والتخلف، وبين نار جهنم التي هي أشد وأعظم، دعوة للعقل أن يُدرك ويفقه الفارق بين زائل ودائم.
ختامًا، فإن من أعظم لطائف القرآن في حديثه عن الحر والجحيم أنه لا يكتفي بالتحذير فقط، بل يفتح أبواب الرحمة. ففي الوقت الذي يصور فيه شدة النار ولهيبها، يعرض في المقابل نعيم الجنة وبرودتها، في مشهد توازن بين التخويف والترغيب. فالقرآن لا يريد فقط أن يخيف الإنسان من العذاب، بل أن يدعوه إلى النجاة. ومن تأمل هذه اللطائف القرآنية أدرك أن وراء كل تعبير رسالة، ووراء كل وصف دعوة للتوبة، واستيقاظ من غفلة الدنيا إلى يقظة الآخرة.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | آيات القرآن الكريم, أسباب نزول القرآن الكريم, الحر والعذاب في القرآن, جهنم



