![]()
الزيادة من الثقة.. حين يتكلم الضبط وتُصغي العدالة
في علم مصطلح الحديث، لا تُترك الكلمة للظن، ولا تُقبل الرواية لمجرد الحفظ، بل تُوزن بميزان دقيق، لا يُخطئ في التقدير ولا يتهاون في التفاصيل. ومن بين تلك الموازين التي صاغها المحدثون بعبقرية علمية فريدة، يبرز مصطلح “الزيادة من الثقة” كأحد أعمدة التمييز بين المقبول والمردود، بين ما يُروى ويُعمل به، وما يُروى ويُعتذر عنه.
ليست “الزيادة من الثقة” مجرد مصطلح تقني في كتب المصطلح، بل هي شاهد على عمق منهجية المحدثين، وعلى قدرتهم على التعامل مع الروايات المتعددة دون أن يقعوا في فوضى التناقض أو اضطراب النقل. إنها لحظة اختبار حقيقي للعدالة والضبط، حين يُضيف الثقة لفظة أو جملة لم يذكرها غيره، فيُطرح السؤال: هل نأخذ بها أم نردها؟ وهل الزيادة دليل على تفرد محمود أم شذوذ مردود؟
الزيادة ليست شذوذًا… بشرط
حين يروي ثقة حديثًا ويزيد فيه على من شاركه في الرواية، فإن تلك الزيادة لا تُرفض تلقائيًا، بل تُعرض على محك النقد العلمي. فإن كانت الزيادة من ثقة ضابط، لا تُخالف رواية من هو أوثق منه، وكانت الزيادة ممكنة في السياق، فإنها تُقبل، وتُعد من باب التكميل لا التغيير، ومن باب البيان لا التبديل.
وقد أدرك المحدثون أن الرواية ليست نسخة جامدة، بل قد تحمل في طياتها تفصيلًا غاب عن غيره، أو توضيحًا لم يُدركه سواه. ولهذا قالوا: “الزيادة من الثقة مقبولة”، وجعلوها ضابطًا من ضوابط القبول، لا استثناءً يُستأنس به.
بين الشافعي وأحمد… اتفاق في المنهج واختلاف في العبارة
في تراث النقد الحديثي، نجد الإمام الشافعي يقول: “إذا زاد الثقة في الحديث زيادة لم يذكرها غيره، وكانت الزيادة تحتمل، قُبلت”. بينما يقول الإمام أحمد: “إذا روى الثقة حديثًا وزاد فيه زيادة لم يروها غيره، قُبلت زيادته ما لم تكن منكرة”. كلاهما يُقر المبدأ، ويضع له شرطًا: ألا تكون الزيادة مخالفة أو منكرة.
وهذا الاتفاق بين الأئمة الكبار يكشف عن وحدة المنهج، وإن اختلفت العبارات. فالمحدثون لم يكونوا أسرى للنصوص، بل كانوا أرباب فقه في الرواية، يزنون كل لفظة بميزان النقد، ويُدركون أن الثقة لا يُرد إلا إذا خالف من هو أوثق، أو جاء بما لا يُحتمل.
الزيادة من الثقة في ميزان التطبيق
ليست هذه القاعدة حبيسة الكتب، بل لها تطبيقات عملية في كتب السنة. ففي حديث الوضوء، روى بعض الثقات: “حتى تغسل رجليك”، بينما زاد آخرون: “إلى الكعبين”. فقبل العلماء هذه الزيادة، لأنها من ثقة، ولا تُخالف الرواية الأخرى، بل تُكملها وتُوضحها.
وهكذا، لم يكن المحدثون جامدين أمام اختلاف الروايات، بل كانوا أصحاب بصيرة، يُفرّقون بين الزيادة المقبولة والشذوذ المردود، ويُقيمون الحجة على كل لفظة، لا بالهوى، بل بالعلم والعدل.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الإمام أحمد, الإمام الشافعي, التواتر, الرواية النبوية, الزيادة من الثقة, الشذوذ, ضبط الرواية, ضوابط القبول, علل الحديث, علم الحديث, نقد المتن



