![]()
الوضعية العلمية وتحدي الغيب:
صدام المادية مع الرؤية الإسلامية
الوضعية العلمية وتحدي الغيب:
صدام المادية مع الرؤية الإسلامية
في خضم الثورة الصناعية والنهضة العلمية التي شهدها القرن التاسع عشر، برزت الوضعية العلمية كتيار فلسفي طموح يسعى لتأسيس عصر “الكلمة الأخيرة” للعلم. لم تكن مجرد منهج بحثي، بل كانت رؤية كونية شاملة تزعم أن العالم المادي هو عالمنا الوحيد، وأن الحقيقة لا تُعرف إلا بالمشاهدة والمقياس. هذا الادعاء لم يقتصر على المختبرات، بل امتد ليشكل تصوراً للوجود نفسه، مما أوقعه في صدام جوهري مع الرؤية الإسلامية الشاملة التي ترفض اختزال الوجود في بعده المادي المحسوس، وترى في الغيب ركيزة أساسية لفهم الحياة والكون.
أسس الوضعية: حينما يصبح العلم ديناً مادياً
انبثقت الوضعية العلمية من رحم فلسفة أوجست كونت، الذي رأى أن المعرفة البشرية قد تخطت مرحلة اللاهوت والفلسفة لتستقر في المرحلة “الوضعية” العلمية التي ترفض كل ما لا تخضع للتجربة. لم يكن كونت ومن جاء بعده، كـإميل دوركهايم في sociology وهربرت سبنسر في تطبيق التطور على المجتمع، مجرد باحثين محايدين؛ بل كانوا مبشرين برؤية مادية تزعم أن قوانين الطبيعة هي التفسير الوحيد لكل شيء. هذا المشروع تحول إلى أيديولوجيا مغلقة، ترفض أي سؤال يتعلق بـ “لماذا” و”ما الغاية”، مكتفية بـ “كيف”، مما شكّل قفزة من منهج علمي مفيد إلى عقيدة وجودية معادية للميتافيزيقا.
صدام الجوهر: الغيب في مواجهة المادية الصارمة
يكمن جذر الصراع في الموقف من الغيب. فبينما تقف الوضعية العلمية عند حدود “الحس”، يؤسس الإسلام كامل تصوره للحياة على الإيمان بـ “ما وراء الحس”. فمسائل مثل البعث، والجنة والنار، والملائكة، والقدرة الإلهية المطلقة، هي حقائق يقينية في الإسلام، بينما ترفضها الوضعية باعتبارها خارج نطاق العلم. هذا الرفض ليس حيادياً، بل هو إنكار لركائز العقيدة الإسلامية. كما أن فصل الوضعية للقيم عن المعرفة يؤدي إلى نسبية أخلاقية، حيث يصير الخير والشر مجرد انعكاس للظروف الاجتماعية أو البيولوجية، بينما يربط الإسلام بين المعرفة والأخلاق، جاعلاً من العلم وسيلة لتحقيق العبودية لله وخدمة humanity.
المنهج الوسط: رؤية الإسلام التوازنية للعلم
لا يرفض الإسلام العلم أو المنهج التجريبي؛ بل يشجع عليهما ويعد البحث في الطبيعة سبيلاً لتعميق الإيمان. غير أنه يرفض رفضاً قاطعاً تحويل المنهج العلمي إلى فلسفة مادية تنكر الغيب. يقدم الإسلام رؤية توازنية فريدة، حيث يتعانق العقل والنقل، والتجربة والوحي، فلا يتعارض الاكتشاف العلمي مع حقيقة الغيب، بل يكملها. فالعلم يبحث في “الكيف”، والشرع يحدد “اللماذا” والغاية. هذا التكامل يحفظ للعلم مجاله دون أن يتحول إلى إله جديد، ويحفظ للروح مكانها، وللأخلاق قداستها، في بناء متكامل يجيب على حاجة الإنسان المادية والروحية معاً.
الإرث والمعاصرة: امتدادات الوضعية في الفكر الحديث
لم تختف الوضعية العلمية، بل توارثت أطروحاتها عبر أجيال من الفلاسفة والعلماء. ففي عصرنا الحالي، يمثل عالم الأحياء ريتشارد دوكنز امتداداً واضحاً لهذا الفكر، حيث يحاول تفسير تعقيد الحياة عبر آليات مادية بحتة، ويرى أن الإيمان بالله “وهم”. هذه الامتدادات تؤكد أن الصدام ليس تاريخياً بل هو مستمر، مما يضع المسلمين أمام مسؤولية تطوير خطاب علمي رصين لا ينغلق على الذات، بل يمتلك أدوات الحوار النقدي مع هذه التيارات، مؤكداً على سعة الكون الإسلامي الذي يستوعب العلم النافع ويرفض الفلسفة المادية المتعالية.



