![]()
شبهات المستشرقين والصحابة..
تفكيك السردية المزيفة
في معركة الوعي التي تشتد حول التراث الإسلامي، تبرز قضية الصحابة كأحد أبرز جبهات المواجهة الفكرية. فمنذ قرون، يحاول بعض المستشرقين وخلفاؤهم الفكريون تشييد سردية مشوهة تهدف إلى تقويض المصداقية التاريخية للدين الإسلامي من خلال النيل من ناقليه الأساسيين. إنها معركة موجهة ضد حَمَلَة الوحي ونُقَلَة السنة، يدرك خصوم الإسلام أن النجاح فيها يعني إحداث شرخ في بنية التشريع الإسلامي برمته. لكن الحقائق الناصعة والأدلة التاريخية الغزيرة تقف حاجزاً أمام هذه المحاولات اليائسة.
التزكية الإلهية: حيث يتجاوز الثناء حدود الزمان
لا يمكن لمن يقارب قضية الصحابة أن يتجاوز حقيقة مفادها أن هذا الجيل حظي بتزكية لم تحظ بها أمة في التاريخ؛ فقد نزل الوحي بمدحهم والثناء عليهم في كتابٍ يُتلى إلى يوم القيامة. يقول تعالى: “وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ” (التوبة: 100). هذه الآية وحدها كفيلة بهدم أي ادعاء يطعن في عدالتهم الجماعية، فهي شهادة من الله تعالى بالرضا عنهم، وهي أعلى درجات التعديل. كما وصفهم تعالى بأنهم “أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ” (الفتح: 29)، في إطار متوازن يجمع بين القوة في الحق والرحمة للإيمان. ولم يكن ثناء النبي ﷺ أقل وضوحاً، حين قال: “خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ” (متفق عليه)، في نصٍّ حسم مسألة تفضيلهم وعدالتهم على جميع من جاء بعدهم.
الخلافات السياسية: اجتهاد لا ينقض عدالة
يدّعي الطاعنون أن الخلافات التي حدثت بعد عهد النبي ﷺ دليل على تناقض عدالة الصحابة، وهذا قلب للحقائق. لقد أجمع علماء الأمة على أن العدالة ثابتة للصحابة بإطلاق، وأن ما وقع بينهم كان خلافاً اجتهادياً في فروع السياسة الشرعية ومصالح الأمة المتغيرة، وليس في أصول الدين الثابتة. لقد كانوا مجتهدين يبحثون عن الحق، فالمصيب منهم مأجور أجرين، والمخطئ مأجور أجراً واحداً على اجتهاده. إن تصوير هذه المواقف المعقدة على أنها صراعات دنيوية محضة هو إسقاط للمفاهيم الحديثة المادية على واقع تاريخي تحكمه سياقات أخلاقية ودينية مختلفة جذرياً.
أبو بكر الصديق: أسطورة “الاستئثار” بالسلطة
يحاول بعض المستشرقين رسم صورة لأبي بكر رضي الله عنه على أنه اغتصب الخلافة في “انقلاب” على حقوق الآخرين. والحقيقة أن اختياره في سقيفة بني ساعدة كان تطبيقاً عملياً رائداً لمبدأ الشورى، حيث اجتمع زعماء المهاجرين والأنصار واتفقوا على أحقّيته بعد مناقشة حرّة. لقد كان الاختيار الطبيعي لمن بشره النبي ﷺ بالجنة، وقال فيه: “لو كنت متخذًا خليلًا من أمتي لاتخذت أبا بكر” (رواه البخاري). وهو الذي ثبت مع الرسول في أحلك الظروف، حتى شهد له القرآن في قوله تعالى: “إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا” (التوبة: 40). أما حروبه ضد المرتدين فكانت ضرورة حتمية لحفظ كيان الدولة الناشئة ومنع تفككها، وقد أقر جميع الصحابة لاحقاً بصحة قراره.
عمر الفاروق: تشويه صورة الحاكم العادل
يصور الطاعنون عمر بن الخطاب رضي الله عنه على أنه حاكم مستبد وقاس، بينما التاريخ يشهد بأنه كان النموذج الأمثل للحاكم العادل الذي يجمع بين الحزم والرحمة. لقد منحه النبي ﷺ شهادة تفوق كل تصور حين قال: “إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ” (رواه الترمذي). تحت قيادته، تحولت الدولة الإسلامية إلى إمبراطورية عادلة أسس فيها ديوان الجند والقضاء وبيت المال، مع بقائه زاهداً متواضعاً يخاف على رعيته حتى من عثرة دابة. قوله المأثور: “لو أن دابة عثرت في العراق لسُئل عنها عمر لمَ لم يمهّد لها الطريق” يختزل فلسفة حكمه القائمة على المسؤولية الشاملة. إن اتهام مثل هذه الشخصية بالاستبداد ليس سوى جهل بطبيعة الحكم الرشيد الذي جمع بين القوة والعدل.



