![]()
معاوية وانزياح عصر الخلافة..
من الحكم الراشد إلى الملك العضود
معاوية وانزياح عصر الخلافة..
من الحكم الراشد إلى الملك العضود
مع انتصار معاوية بن أبي سفيان في تلك الحروب الداخلية بدأ الإعلان عن ولادة عصرٍ جديد،. حيث لم يعد الحكم فيه يقوم على المصطفى من الصحابة، بل على المقتدر من السياسيين والإداريين. لقد فهم معاوية، بعقلية الواقعي المحنك، أن دماء “الفتنة” قد رسمت نهاية نموذج، وأن “الخلافة” بصورتها الأولى التي جمعت بين الزهد الديني والحكم المباشر لم تعد قادرة على إمساك ناصية إمبراطورية مترامية الأطراف. فكانت مهمته الأصعب: تأسيس “دولة” من رحم “جماعة”، وتحويل المسار من “الشورى” المثالية إلى “الملك” العملي، دون أن يقطع الصلة بالشرعية الدينية التي تظل هي العمود الفقري لأي حكم في ذلك العالم.
من فكرة الشورى إلى واقع التوريث: تأسيس نظام الملك
كان القرار الأكثر إثارة للجدل في مسيرة معاوية هو تعيين ابنه يزيد ولياً للعهد. هذا القرار لم يكن مجرد نزوة عائلية، بل كان حجر الزاوية في فلسفته السياسية. لقد رأى أن استقرار الدولة، الذي تحقق بشق الأنفس بعد سنوات من الفتنة والاقتتال، لا يمكن أن يترك للصدفة أو للمساومات غير المتوقعة التي قد تنجم عن “الشورى”. كان “التوريث” هو الضمانة العملية ضد انزلاق الدولة مرة أخرى إلى حرب أهلية كلما شغر منصب الخلافة. بذلك، نقل معاوية النظام السياسي من نموذج قائم على الاختيار والفضيلة (ولو نظرياً) إلى نموذج قائم على الاستمرارية والاستقرار، مؤسساً لمفهوم “الملك العضوض” الذي اعترف به واقعياً حتى من وقفوا ضده.
عبقرية الإدارة: تأسيس دولة الدواوين
إذا كان التوريث هو الهيكل العظمي لدولته، فإن “نظام الدواوين” كان دماءها وأعصابها. هنا برزت عبقرية معاوية الإدارية. لقد أدرك أن حكم إمبراطورية تمتد من أفريقيا إلى آسيا الوسطى لا يمكن أن يقوم على العلاقات الشخصية والأساليب البدوية في الإدارة. فأنشأ “ديوان الخاتم” لتسجيل المراسلات الرسمية وحفظها بدقة، و”ديوان البريد” لإنشاء شبكة اتصالات منتظمة وسريعة تربط أطراف الدولة بالعاصمة دمشق، مما أعطاه سبقاً في المعلومات وميزة في سرعة التحرك. الأهم من ذلك، أنه عمد إلى تعريب هذه الدواوين، فحوّل لغة الإدارة الرسمية من اليونانية والفارسية إلى العربية. لم يكن هذا مجرد قرار تقني، بل كان قراراً هوياتياً وحضارياً، يؤسس لدولة عربية الإسلام واللغة، مع الحفاظ على التراث الإداري للدول السابقة.
السلطان بدل البيعة: شرعية جديدة قائمة على الاستقرار والنظام
في عهد معاوية، لم تعد “البيعة” المثالية التي كانت تُمنح للخليفة الأول هي مصدر الشرعية الوحيد. لقد استحدث شرعية جديدة، يمكن تسميتها “شرعية الإنجاز والاستقرار”. لقد قدم لرعيته سلعة ثمينة بعد سنوات من الفوضى: “الأمن”. لم يعد السؤال المركزي: “من الأحق بالخلافة؟”، بل أصبح: “من القادر على حماية الديار، وإقامة الحدود، وجبي الأموال بعدل، وإدارة شؤون الناس بكفاءة؟”. استخدم معاوية سلطته المركزية القوية، المعززة بشبكة استخباراتية فعالة (عيونه وجواسيسه)، لفرض سيطرة لم تعهدها الدولة الإسلامية من قبل. لقد فضّل النظام على المثال، والوحدة على الصراع، معترفاً ضمناً بأن “العدل المطلق” في عالم السياسة قد يكون ضحية لضرورات “الاستقرار النسبي”.
إرث معاوية: تأسيس نموذج الدولة المستدامة
لا يمكن فهم تاريخ الدولة الإسلامية بمعزل عن منعطف معاوية الحاسم. لقد كان رجل المرحلة الذي أدار ظهره للمثالية المطلقة ليؤسس لواقعية ضرورية. إذا كان علي بن أبي طالب يمثل ضمير الأمة المتطلع إلى العدل المثالي، فإن معاوية يمثل عقل الدولة الذي يسوس الناس بالماكينة السياسية والإدارية. لم يعد الحاكم “إماماً” مفترض الطاعة بحكم فضله وتقواه فقط، بل أصبح “سلطاناً” مفترض الطاعة بحكم قدرته على إدارة الدولة وحفظ النظام. من دواوينه المعربة إلى نظام التوريث المثير للجدل، رسم معاوية معالم النموذج الذي ستحكم به الدول الإسلامية لقرون قادمة، نموذج “الملك الإداري” الذي يجمع بين شرعية النسب وشرعية الإنجاز، ويوازن بين متطلبات الدين وضرورات الدولة.



