![]()
قصة ذي القرنين:
دروس في القوة والعدل والإيمان
قصة ذي القرنين:
دروس في القوة والعدل والإيمان
جاء ذكر قصة ذي القرنين في سورة الكهف لتكون من أعظم القصص القرآنية التي تحمل بين آياتها دروسًا في العدل والحكمة والتسخير الإلهي. فقد سأل المشركون النبي محمد ﷺ عن ذي القرنين، فجاء الجواب الإلهي ليعرض سيرة ملكٍ صالحٍ جاب الأرض شرقًا وغربًا، يحمل رسالة التوحيد، ويقيم العدل بين الناس، ويواجه الفساد بالقوة والعلم.
تمكين إلهي ومسؤولية إنسانية
يقول الله تعالى: “إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا”، في إشارة إلى أن ذي القرنين لم يكن مجرد حاكم قوي، بل رجلًا وهبه الله العلم والقدرة، فاستعملها في خدمة الناس ونشر الخير. لقد مثّل ذي القرنين نموذجًا للحاكم الذي يرى في القوة وسيلة للإصلاح لا للبطش، وفي السلطة أمانة لا وسيلة للظلم.
رحلات ذي القرنين بين مغرب الشمس ومطلعها
وانطلق ذو القرنين في رحلاته العظيمة، فبلغ مغرب الشمس حيث وجد قومًا يعيشون في أطراف الأرض الغربية، فأعطاه الله حرية الاختيار بين العقاب والإحسان. فاختار منهج العدل، فعاقب الظالمين وأكرم المؤمنين، قائلًا: «أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا، وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَىٰ”.
ثم واصل رحلته نحو مطلع الشمس، حيث وجد أقوامًا يعيشون بلا سترٍ يحميهم من حرّها. لم يكن دوره غزوًا أو استعبادًا، بل فهْم طبيعة المجتمعات المختلفة، وتقدير تنوّع أحوال الناس على وجه الأرض.
بين السدّين ومواجهة يأجوج ومأجوج
وصل ذو القرنين، إلى منطقة بين جبلين عظيمين، وهناك وجد قومًا يشتكون من فساد يأجوج ومأجوج، الذين يعيثون في الأرض فسادًا. طلبوا منه بناء سدٍّ يمنعهم من الوصول إليهم مقابل أجرٍ مالي، لكنه رفض المقابل وقال: “مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ، فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا”، وبذكاء هندسي وتخطيط دقيق، استخدم الحديد والنار والنحاس المنصهر ليقيم سدًا محكمًا، لم يستطع يأجوج ومأجوج تسلّقه أو نقبه. هذا العمل لم يكن مجرد إنجاز مادي، بل تجسيد لمعنى التعاون بين القائد وشعبه، في سبيل مواجهة الفساد وحماية المجتمعات.
رحمة من الله ووعد بالزوال
وبعد اكتمال السدّ، قال ذو القرنين: «”هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَبِّي، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا”.
وبهذه الكلمات، أقرّ أن كل ما أنجزه لم يكن بجهده وحده، بل برحمة الله وتوفيقه، وأن هذا السدّ سيزول حين يشاء الله، في مشهدٍ يعكس الإيمان العميق بقدرة الله ومشيئته فوق كل الأسباب.
الدروس المستخلصة من قصة ذي القرنين
تقدم قصة ذي القرنين في القرآن الكريم مجموعة من الدروس الخالدة، منها:
أن التمكين في الأرض لا قيمة له دون إيمانٍ وعدلٍ.
أن القوة والعلم يجب أن يكونا في خدمة الإنسانية لا ضدها.
أن القيادة الحقيقية تقوم على الرحمة والمسؤولية والتواضع أمام الله.
وأن العون والتعاون أساس بناء المجتمعات الصالحة.
قدوة قرآنية خالدة
قصة ذي القرنين ليست مجرد سرد تاريخي، بل نموذج قرآني متجدد لكل من يتولى مسؤولية أو سلطة. إنها دعوة لتوظيف القوة في خدمة الخير، والعدل في مواجهة الظلم، والعلم في بناء الحضارة. فكل من يسير على نهج ذي القرنين، يجعل من حياته رسالةً للعدل والعمران، في ضوء قوله تعالى: «”وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ”.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | التمكين في الأرض, التوحيد, الحكمة, السد بين السدين, العدل, الهندسة القرآنية, ذي القرنين, رحلات ذي القرنين, سورة الكهف, قصة ذي القرنين, مطلع الشمس, مغرب الشمس, يأجوج ومأجوج



