![]()
عبد الملك بن مروان..
تعريب الدووين يعيد رسم ملامح الإمبراطورية
عبد الملك بن مروان..
تعريب الدووين يعيد رسم ملامح الإمبراطورية
لم يكن قرار تعريب الدواوين مجرد تغيير في الحروف من “قلمودي” إلى عربي، أو استبدال لغة محاسبية بأخرى، بل كان زلزالاً حضارياً هز أركان الدولة الأموية من أساسها. في عهد الخليفة الحديد، عبد الملك بن مروان، تحولت العربية من لغة شعر ودين إلى لغة سلطة وإدارة، تعلن عن ميلاد هوية إمبراطورية جديدة، مستقلة بذاتها، واثقة بقدراتها، ترفع سيفها بيد وتضع قلمها باليد الأخرى.
من الفتح إلى الإدارة: المخاض العسير للدولة
بعد عقود من الفتوحات الإسلامية المذهلة، وجدت الدولة نفسها أمام معضلة إدارية هائلة. أراض شاسعة تمتد من حدود الصين إلى مشارف فرنسا، وشعوب متنوعة الثقافات، وأنظمة مالية وقانونية معقدة ورثتها عن الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية. كانت الدواوين، وهي الهيئات الإدارية والمالية للدولة، تُدار بلغات تلك الأمم (الفارسية في المشرق واليونانية في مصر والشام)، فكان الموظفون الأجانب (الذميون) هم قلعة الإدارة وعقلها المفكر، بينما ظل الحكام العرب في موقع التبعية الإدارية، يعرفون من أمور دولتهم ما يترجم لهم. كان هذا الوضع يشكل تهديداً وجودياً، فاليد التي تحسب خراج الأرض يمكنها أن تحيك المؤامرات، واللسان الذي يدون الواردات يمكنه أن يزيف الحقائق.
عبد الملك بن مروان: إرادة الحديد وإعادة التشكيل
أدرك الخليفة عبد الملك بن مروان، ذو الشخصية الحازمة والعقلية الإستراتيجية، أن الاستقلال السياسي لا يكتمل دون استقلال إداري واقتصادي وثقافي. لم يعد مقبولاً أن تكون لغة الحكم في دمشق عربية، بينما لغة جباية الأموال وتنظيم الجيوش في نفس العاصمة يونانية. كانت هذه “الازدواجية” تشير إلى انفصام في هوية الدولة الناشئة. فقرر أن يقطع دابر هذه التبعية، ويؤسس لدولة مركزية قوية، يكون فيها القرار والتنفيذ والتوثيق بلغة القرآن، لتكون العربية هي الوعاء الحضاري الشامل لكل مناحي الحياة.
القرار المصيري: عندما انطلقت أول شهادة “بسم الله” عربية
حوالي العام 78 هـ، أصدر الخليفة قراره التاريخي: تعريب الدواوين. لم يكن الأمر سهلاً، فقد واجه معارضة من الموظفين غير العرب الذين خافوا على مراكزهم ونفوذهم، وصعوبات تقنية في تطويع اللغة العربية للتعبير عن المصطلحات المالية والإدارية الدقيقة. لكن إرادة الخليفة كانت أقوى. بدأت عملية تدريبية مكثفة، وتأسست مدارس لتعليم العربية، وتم استبدال الموظفين الأجانب بكوادر عربية مؤهلة. وكُتبت أول وثيقة رسمية في ديوان الخراج في العراق باللغة العربية، لتمثل تلك اللحظة ولادة النظام الإداري العربي الإسلامي بامتياز.
تداعيات القرار: بين تأسيس الهوية وإشعال الثورات
لم تكن نتائج تعريب الدواوين سطحية، بل غيّرت وجه التاريخ:
- الاستقلال الحضاري: أصبحت الدولة الإسلامية كياناً مستقلاً بكل مقوماته، لا تابعاً إدارياً وثقافياً لأمم سابقة.
- صعود العربية: تحولت اللغة العربية من لغة دين وشعر إلى لغة علم وإدارة واقتصاد، مما ساهم في إغنائها وتطويرها، وفتح الباب لعصر الترجمة والتأليف الذهبي لاحقاً.
- توحيد الدولة: ساهم استخدام لغة واحدة في جميع الأقاليم في تعزيز الشعور بالوحدة وتماسك النسيج الاجتماعي للدولة المترامية الأطراف.
- ردود الفعل المعاكسة: أثار القرار حفيظة الشعوب غير العربية (الموالي)، خاصة الفرس، الذين شعروا بتهميش دورهم الثقافي والاجتماعي، مما غذى نيران الحركات القومية والشعوبية التي ستشكل أحد أسباب سقوط الدولة الأموية لاحقاً.
وهكذا، لم يكن قرار عبد الملك بن مروان مجرد إجراء روتيني، بل كان خياراً مصيرياً ناضجاً، ضرب بجذوره في عمق التاريخ، ليُخرج هوية إسلامية عربية واضحة المعالم، مثقلة بإنجازاتها وإشكالياتها على حد سواء.



