![]()
رحلة النبي العملية قبل النبوة
من الرعي إلى التجارة
رحلة النبي العملية قبل النبوة
من الرعي إلى التجارة
في سنوات الشباب الأولى، وقبل أن يشرق على الكون نور الوحي، كانت حياة النبي ﷺ مدرسةً عظيمة تفيض بالدروس والعبر. لقد نشأ ﷺ يتيماً فتعلم الاعتماد على النفس، ولم ينتظر أن تأتيه الرزاق دون كدٍّ أو تعب. فكانت مسيرته العملية قبل البعثة نسيجاً مطرزاً بالمهن الشريفة، التي لم تكن مجرد وسيلة للكسب، بل كانت محضناً لصقل شخصيته، وتمهيداً لإعداده لأعظم رسالة في الوجود. فلنقف على محطات هذه الرحلة العملية، التي تقدم للشباب قدوةً عملية في بناء الذات وخدمة المجتمع.
راعي الغنم: مدرسة القيادة الأولى
في بداية مشواره، اشتغل سيدنا محمد ﷺ برعي الغنم، كما كان شأن العديد من الأنبياء من قبله. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: “مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ”. فقال أصحابه: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: “نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ”. (رواه البخاري). وفي هذه المهنة المتواضعة، تعلّم ﷺ أعظم الدروس: فالصبر في حراسة الرعية، والرحمة بالكائنات الضعيفة، والتواضع في التعامل، كلها كانت البذور الأولى التي ستنمو لتصنع منه القائد الحكيم، الذي سيسوس أمة بأكملها برفق وأناة.
التاجر الأمين: حيث الصدق رأس المال
لم يقتصر همّه ﷺ على الرعي، بل اتجه إلى عالم التجارة، فانطلق يرافق عمه أبا طالب في رحلاته، ثم اشتغل بتجارة السيدة خديجة رضي الله عنها. لم تكن تجارته كغيرها، فقد ارتكزت على ركيزتين أساسيتين: الصدق والأمانة، حتى اشتهر بين قومه بلقب “الصادق الأمين”. لقد جاب البلاد إلى الشام واليمن، فاكتسب خبرةً واسعة في التعامل مع الناس، وفنون التفاوض، وإدارة الأموال. وكانت هذه السمعة الطيبة هي الجسر الذي أوصله إلى السيدة خديجة، والتي لم تتردد في أن تضع ثقتها ومالها بين يديه، ليكون ذلك بداية علاقة كريمة كانت عوناً له على مشاق الدعوة لاحقاً.
حلف الفضول: ناشطاً مجتمعياً قبل العصر
لم يكن اهتمام النبي ﷺ منصباً على شؤونه المادية فحسب، بل امتد ليشمل خدمة مجتمعه والدفاع عن قيمه. فشهد ﷺ “حلف الفضول” وهو تحالف قبلي نبيل، تعاهدت فيه قبائل مكة على نصرة المظلوم وإرجاع حقوقه، حتى لو كان غريباً لا ناصر له. وقد أشاد ﷺ بهذا الحلف بعد البعثة قائلاً: “لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ، وَلَوْ أُدْعَى بِهِ فِي الإِسْلامِ لأَجَبْتُ”. وهذا يبرز دور النبي ﷺ الفاعل في المجتمع، وحرصه على إقامة العدل ونصرة الحق، حتى قبل أن يكلف برسالة الإسلام.
دروس خالدة لشباب الأمة
إن النظر في سيرة النبي ﷺ العملية قبل البعثة يمنحنا كنزاً من الدروس العملية التي لا تُقدّر بثمن، نذكر منها:
- تقدير قيمة العملمهما بدا بسيطاً، فليس هناك عملٌ واحتقار، بل إن الله يحب العبد المحترف المتقن لعمله.
- الاستعداد الدائم لتعلّم مهارات جديدةوالخوض في مجالات متعددة، مما يوسع المدارك ويطور الذات.
- المرونة في العمل وعدم التقييد بوظيفة واحدة، بل استغلال كل فرصة مشروعة للرزق والتطور.
- أن الصدق والأمانةهما أقصر الطرق إلى كسب الثقة وبناء السمعة، وهما أساس أي نجاح حقيقي.
- أهمية العمل الجماعي والتعاونوالمشاركة الفاعلة في المجتمع، فهي التي تفتح آفاقاً جديدة وترسخ مكانة الفرد.
لقد كانت حياة النبي ﷺ قبل البعثة نموذجاً عملياً ملهماً لكل شاب يطمح إلى النجاح. لقد أثبت ﷺ أن الظروف الصعبة ليست عائقاً، بل يمكن أن تكون محفزاً للجد والاجتهاد. فبالصبر والصدق وتطوير المهارات، يمكن تجاوز التحديات، وهو النهج الذي يحتاجه شبابنا اليوم لمواجهة تحديات سوق العمل، وبناء مستقبل زاهر، يتحقق فيه النجاح الدنيوي جنباً إلى جنب مع القيم والأخلاق.



