![]()
التدرج في الدعوة إلى الله
منهج نبوي يحقق الحكمة والقبول
التدرج في الدعوة إلى الله
منهج نبوي يحقق الحكمة والقبول
فن التدرج في الدعوة إلى الله تعالى من أبرز الأسس التي ساعدت على انتشار الإسلام، إذ يمثل أسلوبًا حكيمًا في تبليغ الرسالة الإلهية، يقوم على التمهيد النفسي والفكري للمدعوين، والانتقال بهم خطوة بخطوة نحو الالتزام بتعاليم الدين. وهو منهج نبوي متكامل أثبت نجاحه عبر التاريخ الإسلامي، ويظل صالحًا في كل زمان ومكان.
مفهوم التدرج في الدعوة
التدرج في الدعوة يعني الانتقال بالمدعو شيئًا فشيئًا حتى يصل إلى الغاية المرجوة وفق أساليب مشروعة. ويقتضي ذلك تقديم الأهم فالمهم، والبدء بالكليات قبل الجزئيات، حتى لا يقع النفور أو الصدام. وقد جسدت الشريعة الإسلامية هذا المبدأ في التشريع ذاته، من خلال نزول الأحكام على مراحل، وهو ما شكّل منهجًا ربانيًا في تهيئة النفوس لقبول الحق.
أهمية فقه الأولويات في الدعوة
من أهم أركان التدرج امتلاك الداعية لفقه الأولويات، أي معرفة ما يُقدّم وما يُؤخر، وما ينبغي التركيز عليه في بداية الدعوة. فلا يكفي أن يكون الداعية حافظًا للنصوص أو ملمًا بالأحكام، بل يجب أن يدرس واقع المجتمع، ويحدد أمراضه وعلله، ليعالجها بما يناسب كل مرحلة. فالمجتمعات تختلف في أعرافها، ومستوى تمسكها بالدين، وبالتالي فإن فقه التدرج يضمن حسن التوجيه وسلامة النتائج.
التدرج في التشريع القرآني
أوضح الأمثلة على التدرج التشريعي في القرآن الكريم قضية تحريم الخمر. فقد جاء التحريم على أربع مراحل: الإشارة إلى منافعه ومضاره في سورة البقرة، ثم النهي عن الصلاة في حال السُكر في سورة النساء، ثم التحريم القطعي في سورة المائدة. هذا التسلسل أظهر الحكمة في إبعاد الناس عن عادة متجذرة دون مصادمة مباشرة، مما سهّل الالتزام بالحكم النهائي.
التدرج في السنة النبوية
السنة النبوية زاخرة بالشواهد العملية على التدرج في الدعوة. فقد أوصى النبي ﷺ معاذ بن جبل حين أرسله إلى اليمن أن يبدأ بدعوة الناس إلى توحيد الله، ثم الصلاة، ثم الزكاة، وهكذا بالترتيب. كذلك كان رسول الله ﷺ يقبل من المسلمين الجدد الحد الأدنى من الالتزام، ثم يترك لهم المجال للتدرج في العبادة والامتثال، رحمة بهم، حتى تستقر عقيدتهم.
صور من التدرج في الدعوة النبوية
ومن أبرز صور التدرج التي شهدتها الدعوة الإسلامية: نزول القرآن منجمًا حسب الوقائع، البدء بتوحيد الله قبل غيره من الأحكام، الدعوة سرًا في البداية ثم جهرًا، الصبر على الأذى قبل الإذن بالقتال، وتأجيل فرض العبادات حتى قيام الدولة في المدينة. كل هذه الصور تعكس منهجًا تربويًا حكيمًا يراعي استعداد النفوس.
الحكمة من التدرج
أشارت السيدة عائشة رضي الله عنها إلى الحكمة من التدرج التشريعي، إذ أكدت أن الناس لو كُلفوا بترك الخمر أو الزنا من البداية لرفضوا، لكن القرآن بدأ بالترغيب والترهيب، ثم جاءت الأحكام بعد استقرار الإيمان في القلوب. وهذا يبين أن التدرج ليس مجرد وسيلة، بل قاعدة أصيلة في التربية والدعوة.
إن التدرج في الدعوة إلى الله تعالى، منهج رباني يحقق الحكمة، ويضمن قبول الناس لأوامر الدين ونواهيه. فهو يجمع بين مراعاة الواقع وتهيئة النفوس، ويُعد من أبرز أسباب نجاح الدعوة الإسلامية في الماضي والحاضر. ومن ثم فإن التمسك بهذا الأسلوب يظل ضرورة للدعاة والمصلحين، لبناء مجتمع إسلامي راسخ يلتزم بشريعة الله عن قناعة ويقين.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أساليب الدعوة, أولويات الدعوة, التدرج في تبليغ الدعوة, الفقه, فقه الدعوة



