المرأة بين الشيوعية والإسلام

صراع المادية والكرامة الإنسانية

منذ أن بزغت الشيوعية كفلسفة مادية تزعم تفسير الوجود والمجتمع، كانت المرأة جزءًا من رؤيتها الاقتصادية البحتة، إذ لم تنظر إليها ككائن إنساني ذي فطرة ووجدان، بل كـ«قوة عمل» تساهم في الإنتاج ضمن منظومة الصراع...
المرأة بين الشيوعية والإسلام.. صراع المادية والكرامة الإنسانية

المرأة بين الشيوعية والإسلام

صراع المادية والكرامة الإنسانية

منذ أن بزغت الشيوعية كفلسفة مادية تزعم تفسير الوجود والمجتمع، كانت المرأة جزءًا من رؤيتها الاقتصادية البحتة، إذ لم تنظر إليها ككائن إنساني ذي فطرة ووجدان، بل كـ«قوة عمل» تساهم في الإنتاج ضمن منظومة الصراع الطبقي.
فقد رأى كارل ماركس وفريدريك إنجلز أن الأسرة في النظام الرأسمالي مؤسسة لاستعباد المرأة، وأن خلاصها يكون في تحطيم هذا النظام والانخراط في سوق العمل مثل الرجل تمامًا. وهكذا وُلدت فكرة «تحرير المرأة من البيت»، لا بوصفها تحريرًا إنسانيًا، بل تحريرًا اقتصاديًا يجعلها ترسًا في آلة الإنتاج.
لكن هذا التحرير المزعوم جرّد المرأة من أنوثتها وطمس فطرتها، إذ ألغى الفوارق الطبيعية بين الجنسين، واعتبرها مجرد كائن مادي لا تختلف وظيفته عن الرجل إلا في القدرات الجسدية. ومع هذا الانحراف، تحولت المرأة في المجتمعات الشيوعية إلى أداة دعائية وجنسية تخدم الأيديولوجيا، فاختفى الحياء وضاعت الأسرة، وسقطت القيم الأخلاقية تحت وطأة الفكر المادي الفج.

الإسلام يكرم المرأة ويرتقي بإنسانيتها

وعلى النقيض من هذه الرؤية الباردة، جاء الإسلام بمنهج رباني عادل يوازن بين الحقوق والواجبات، ويمنح المرأة مكانتها الحقيقية كإنسان مكرم، لا كأداة إنتاج أو متعة. قال تعالى:

“وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ” الإسراء: 70
فهي داخلة في هذا التكريم العام، منحتها الشريعة حق التملك والميراث والتعليم والعمل في إطار العفة والكرامة، كما قال النبي ﷺ: «النساء شقائق الرجال».
إن الإسلام لا ينظر إلى المرأة بعين الصراع مع الرجل، بل بعين التكامل بين الطرفين في بناء الأسرة والمجتمع. فالرجل قِوَامٌ بالمسؤولية والرعاية، والمرأة ركن السكينة والمودة، وكلاهما شريك في عمارة الأرض وابتغاء مرضاة الله.
وبينما جعل الفكر المادي مساواتهما تماثلًا يُلغي الخصوصية، جعل الإسلام المساواة عدلاً يقرّ بالفطرة، ويحفظ للمرأة أنوثتها، ويصون دورها الأسري والاجتماعي من التمييع أو الابتذال.

الفحش والسفور في الفكر الشيوعي مقابل العفة في الإسلام

لم يقف الانحراف الشيوعي عند حدود العمل والإنتاج، بل امتدّ إلى ميدان الأخلاق والعلاقات الإنسانية. فباسم «الحرية الشخصية» أُبيحت العلاقات غير المشروعة، وأُسقطت القيم الأسرية باعتبارها – في نظرهم – قيودًا برجوازية فرضتها الطبقات الغنية. وهكذا فُتح الباب للفحش والسفور، وانهارت الأسرة في المجتمعات التي تبنّت الفكر الماركسي.
أما الإسلام فقد أقام العلاقة بين الرجل والمرأة على الطهر والعفة، لا على الرغبة والمصلحة. فالحجاب والحياء ليسا قيودًا اجتماعية، بل كرامة تحفظ الإنسان من الابتذال، وتبني مجتمعًا يسوده الاحترام المتبادل. قال تعالى:

“وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى” الأحزاب: 33
لقد كان ستر المرأة في الإسلام عنوان عزتها، بينما كان عريها في الفكر المادي بداية انحدارها إلى درك السلعة الرخيصة التي تُستخدم لترويج الأيديولوجيا أو البضائع.

الفارق بين الطهر الموحِّد والمادية المفكِّكة

يكمن جوهر الفرق بين الإسلام والشيوعية في نظرة كلٍّ منهما إلى الإنسان نفسه. فالإسلام ينطلق من الإيمان بالله الذي يهب للإنسان معنى وغاية وكرامة، بينما تنطلق الشيوعية من إنكار الغيب، فتحوّل الإنسان إلى كائن اقتصادي بلا روح. ومن هنا كان اختلاف النظرتين إلى المرأة امتدادًا لاختلاف الرؤيتين للوجود كله.
لقد سقطت الشيوعية في امتحان الأخلاق والإنسانية حين حاولت أن تسوّي بين الرجل والمرأة في كل شيء، فألغت الفطرة وأفقدت الحياة معناها. أما الإسلام فظلّ النظام الوحيد القادر على تحقيق المساواة العادلة التي تصون الفطرة وتحقق الكرامة.
فالفرق بينهما هو الفارق بين الإنسانية والمادية، بين الكرامة والاستغلال، وبين الطهر والانحلال.

روابط وكلمات مفتاحية
ذات صلة
خلافة غلى بن أبي طالب.. دولة العدل في زمن الفتن
جاءت خلافة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في فترةٍ عاصفة من تاريخ الأمة، حيث تموجت الفتن وتصادمت...
المزيد »
 النظافة في الإسلام.. رقي الذات واحترام الآخرين
في منظومة القيم الإسلامية، لا تنفصل الطهارة عن جوهر الإيمان، فهي ليست مجرد إجراء صحي أو عادة اجتماعية...
المزيد »
 خطاب الدين الحي.. من الثوابت إلى ساحة الواقع
 لم يعد مقبولاً حبس الخطاب الديني بين جدران التفسير المجرد والنقاش العقائدي المحض. لقد باتت الحاجة ملحة...
المزيد »
بين "ما يدريك" و"ما أدراك"..  دلالات الاستفهام القرآني
يأتي التعبير القرآني بصيغتين متمايزتين: "ما يدريك" بصيغة المضارع، و"ما أدراك" بصيغة الماضي. وقد أجمع...
المزيد »
بين القبيلة والإسلام.. بشر بن ربيعة الخثعمي شاعر الفروسية والإيمان
ينتمي بشر بن ربيعة إلى قبيلة خثعم، من نسل ربيعة، وقد عاش حياته متنقلاً بين ساحات القتال ومجالس الأدب....
المزيد »
بين ثبات النص وحيوية الأسلوب.. ماهية التجديد وحدوده
تُعتبر قضية "تجديد الخطاب الديني" من أكثر القضايا إثارة للجدل في الساحة الفكرية والدينية، إذ تتباين الرؤى...
المزيد »
ملامح التمييز بين المكي والمدني في القرآن الكريم
تنقسم سور القرآن الكريم إلى سور مكية وسور مدنية، لا بناءً على المكان وحده، بل وفق زمن نزول الوحي وسياق...
المزيد »
العربية.. لغة الوحي وهوية الأمة
أنعم الله تعالى على هذه الأمة بلغةٍ عظيمة، هي لغة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، ولغة الكتاب الكريم...
المزيد »
العربية.. لغة الوحي وهوية الأمة
أنعم الله تعالى على هذه الأمة بلغةٍ عظيمة، هي لغة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، ولغة القرآن الكريم...
المزيد »
الخاتم النبوي.. من رمز الرسالة إلى بئر أريس
لم يظهر الخاتم النبوي إلا بعد صلح الحديبية، حين بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم يبعث رسائل إلى ملوك وأمراء...
المزيد »
كيف قادت بشارة راهب عمورية سلمان إلى الحقيقة؟
قصة إسلام سلمان الفارسي رضي الله عنه تظلّ واحدة من أعظم الشواهد على صدق البشارات التي سبقت بعثة النبي...
المزيد »
بشارات الأنبياء بمبعث النبي الخاتم
حين رفع إبراهيم عليه السلام يديه بالدعاء، سأل ربَّه أن يبعث في العرب رسولًا منهم، يتلو عليهم آياته ويعلّمهم...
المزيد »
طلب الغيث.. صلاة الاستسقاء بين العبادة والرجاء
الاستسقاء هو التوجه إلى الله تعالى بطلب السقيا عند الحاجة إلى المطر أو الماء، وهو سنة مؤكدة تُقام حين...
المزيد »
بحيرى الراهب وملامح النبوة في طفولة الأمين
كان أبو طالب يصحب ابن أخيه في تجارته، فلما خرج في ركب إلى الشام اصطحب معه الصغير الذي لم يتجاوز الثانية...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك