الرد على أسطورة التقادم

الزمن يتبدّل... والشريعة تبقى

تتردّد في زماننا دعوى خبيثة يروّجها خصوم الإسلام من داخل الأمة وخارجها، خلاصتها أن الشريعة الإسلامية — التي نزل بها الوحي قبل أربعة عشر قرنًا...
الزمن يتبدّل... والشريعة تبقى: الرد على أسطورة التقادم

الرد على أسطورة التقادم

الزمن يتبدّل... والشريعة تبقى

تتردّد في زماننا دعوى خبيثة يروّجها خصوم الإسلام من داخل الأمة وخارجها، خلاصتها أن الشريعة الإسلامية — التي نزل بها الوحي قبل أربعة عشر قرنًا — لم تعد صالحة للتطبيق في العصر الحديث، بزعم أن تطور الحياة، وتغيّر النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يجعل النصوص الشرعية عاجزة عن مواكبة العصر.
تلك شبهة قديمة بثوب جديد، ظاهرها «التحديث» وباطنها نقض سلطان الشريعة وإحلال مناهج البشر محل حكم الله. ولو أنصف القوم لأدركوا أن ثبات الشريعة هو سرّ صلاحها لكل زمان ومكان، وأن الخلل ليس في النصوص بل في عقولٍ انقطعت عن الوحي واستبدلت به أهواءها.

أولًا: منشأ الشبهة وجذورها الفكرية

انبثقت هذه الشبهة من الفكر الغربي الحديث الذي جعل الإنسان هو المشرّع الأعلى، بعد أن تمرد على الكنيسة وألغى المرجعية الدينية في أوروبا. فحين جاء الاستعمار إلى بلاد المسلمين، سعى إلى نقل التجربة الغربية لتقويض الشريعة، فأنشأ القوانين الوضعية، وربّى أجيالًا من المثقفين على مقولة «صلاحية الشريعة للعبادة فقط لا للحياة».
ثم جاء بعض المنتسبين إلى الثقافة الإسلامية، فتأثروا بتلك الفكرة دون وعي بتاريخها، ورددوا مقولة: «الشريعة نزلت لزمن البادية، لا لعصر الذكاء الصناعي والعولمة»! وهي مقولة تنقض أساس الدين، لأن التشريع الإسلامي ليس وليد بيئة زمانية، بل تنزيل من حكيم خبير يعلم خفايا الماضي والمستقبل.

ثانيًا: التمييز بين الثابت والمتغير

الخلط الذي يقع فيه أصحاب الشبهة هو جهلهم بالفارق بين ثوابت الشريعة ومتغيرات الحياة. فالشريعة جاءت بأحكام ثابتة في القيم والحدود والمقاصد، لكنها في الوقت نفسه أتاحت مساحة واسعة للاجتهاد في الفروع والوسائل بحسب تطور الزمان.
يقول الإمام ابن القيم الجوزية في إعلام الموقعين:

“الشريعة مبناها على الحكمة والمصلحة للعباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور، ومن الرحمة إلى ضدها، ومن المصلحة إلى المفسدة، فليست من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل.”
فالشريعة في جوهرها ليست جمودًا على نص، بل نظام متكامل يوازن بين الثبات في المبادئ والمرونة في الوسائل، وهو ما يجعلها صالحة لكل زمان.

ثالثًا: الرد الشرعي والعقلي على الشبهة

أول ما يُقال لمن زعم أن الشريعة قد تجاوزها الزمن:
أيّ شريعة تعني؟ أهي التي أقامت العدل الاجتماعي قبل أن يعرفه الغرب؟ أم التي حرّمت الربا والاحتكار والميسر والظلم، وهي أسباب انهيار الأنظمة المالية اليوم؟ أم التي أرست مبدأ المساواة أمام القانون قبل أن تُولد شرعة حقوق الإنسان بقرون؟
لقد أثبتت التجربة أن القوانين الوضعية تتقادم بتقادم الزمان، لأنها تُبنى على تقدير البشر الناقص، بينما الشريعة لا تتبدل لأنها تُبنى على علم الله الكامل.
قال تعالى:

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: 115].
أي صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأحكام، فلا كذب في أخبارها ولا ظلم في أحكامها.

رابعًا: شهادات العلماء والمفكرين

قال الإمام الشاطبي في الموافقات:

“الشريعة جارية على مصالح العباد في كل زمان ومكان، فحيثما وجدت المصلحة الحقيقية فثم شرع الله.”
وقال الشيخ محمد عبده:
“الذين يزعمون أن الشريعة الإسلامية لا تصلح للعصر إنما ينظرون إليها بعيونٍ غربية، ولو نظروا بعين الفطرة لعلموا أن مقاصدها في حفظ النفس والعقل والدين والمال والنسل هي ما يسعى إليه كل تشريعٍ راشد.”
أما الإمام محمد الغزالي فقد قال في كتابه قذائف الحق:
“الشريعة ليست قانونًا بدويًّا بل منهاج حياةٍ سماويٍّ، تفي بحاجات الناس في كل بيئة، لأنها لا تتدخل في التفاصيل التي تتغير، بل تضع أصولًا عامة تُبنى عليها التفاصيل بحسب مقتضى الأحوال.”

خامسًا: الوجه الصحيح لفهم «الخلود التشريعي»

إن خلود الشريعة لا يعني أن تظل الأحكام التطبيقية جامدة على صيغتها الأولى، بل يعني أن أصولها قادرة على استيعاب الجديد عبر الاجتهاد المنضبط بالأدلة. وقد طبق المسلمون هذا المبدأ في العصور كلها:
فأقاموا نظام الحسبة لضبط الأسواق — وهو ما يُعرف اليوم بالرقابة التجارية.
ووضعوا ديوان المظالم — وهو القضاء الإداري الحديث.
وسنّوا قواعد فقه المعاملات المالية — التي يستند إليها اليوم علم الاقتصاد الإسلامي.
فهل بعد هذا يُقال إنها شريعة جامدة؟ إنها شريعة تتجدد بالاجتهاد ولا تتبدل بالهوى.

روابط وكلمات مفتاحية
ذات صلة
خلافة غلى بن أبي طالب.. دولة العدل في زمن الفتن
جاءت خلافة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في فترةٍ عاصفة من تاريخ الأمة، حيث تموجت الفتن وتصادمت...
المزيد »
 النظافة في الإسلام.. رقي الذات واحترام الآخرين
في منظومة القيم الإسلامية، لا تنفصل الطهارة عن جوهر الإيمان، فهي ليست مجرد إجراء صحي أو عادة اجتماعية...
المزيد »
 خطاب الدين الحي.. من الثوابت إلى ساحة الواقع
 لم يعد مقبولاً حبس الخطاب الديني بين جدران التفسير المجرد والنقاش العقائدي المحض. لقد باتت الحاجة ملحة...
المزيد »
بين "ما يدريك" و"ما أدراك"..  دلالات الاستفهام القرآني
يأتي التعبير القرآني بصيغتين متمايزتين: "ما يدريك" بصيغة المضارع، و"ما أدراك" بصيغة الماضي. وقد أجمع...
المزيد »
بين القبيلة والإسلام.. بشر بن ربيعة الخثعمي شاعر الفروسية والإيمان
ينتمي بشر بن ربيعة إلى قبيلة خثعم، من نسل ربيعة، وقد عاش حياته متنقلاً بين ساحات القتال ومجالس الأدب....
المزيد »
بين ثبات النص وحيوية الأسلوب.. ماهية التجديد وحدوده
تُعتبر قضية "تجديد الخطاب الديني" من أكثر القضايا إثارة للجدل في الساحة الفكرية والدينية، إذ تتباين الرؤى...
المزيد »
ملامح التمييز بين المكي والمدني في القرآن الكريم
تنقسم سور القرآن الكريم إلى سور مكية وسور مدنية، لا بناءً على المكان وحده، بل وفق زمن نزول الوحي وسياق...
المزيد »
العربية.. لغة الوحي وهوية الأمة
أنعم الله تعالى على هذه الأمة بلغةٍ عظيمة، هي لغة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، ولغة الكتاب الكريم...
المزيد »
العربية.. لغة الوحي وهوية الأمة
أنعم الله تعالى على هذه الأمة بلغةٍ عظيمة، هي لغة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، ولغة القرآن الكريم...
المزيد »
الخاتم النبوي.. من رمز الرسالة إلى بئر أريس
لم يظهر الخاتم النبوي إلا بعد صلح الحديبية، حين بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم يبعث رسائل إلى ملوك وأمراء...
المزيد »
كيف قادت بشارة راهب عمورية سلمان إلى الحقيقة؟
قصة إسلام سلمان الفارسي رضي الله عنه تظلّ واحدة من أعظم الشواهد على صدق البشارات التي سبقت بعثة النبي...
المزيد »
بشارات الأنبياء بمبعث النبي الخاتم
حين رفع إبراهيم عليه السلام يديه بالدعاء، سأل ربَّه أن يبعث في العرب رسولًا منهم، يتلو عليهم آياته ويعلّمهم...
المزيد »
طلب الغيث.. صلاة الاستسقاء بين العبادة والرجاء
الاستسقاء هو التوجه إلى الله تعالى بطلب السقيا عند الحاجة إلى المطر أو الماء، وهو سنة مؤكدة تُقام حين...
المزيد »
بحيرى الراهب وملامح النبوة في طفولة الأمين
كان أبو طالب يصحب ابن أخيه في تجارته، فلما خرج في ركب إلى الشام اصطحب معه الصغير الذي لم يتجاوز الثانية...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك