![]()
غزوة بني قينقاع .. امتحان الولاء والبراء
بعد أن ارتفعت راية التوحيد في معركة بدر، واهتزت قريش في أعماقها، كانت المدينة المنورة تشهد معركة من نوع آخر – معركة تكشف خلاصة النفوس وتميز سرائر القلوب. ففي ظلال النصر المبين، برزت غزوة بني قينقاع كمحك حقيقي يميز بريق الإيمان الصادق من خبث النفاق المستتر، لتكون درساً خالداً في أولويات الولاء وثمن الصدق مع الله ورسوله.
بين نصر بدر وحسد اليهود.. الشرارة الأولى
لم يكن انتصار المسلمين في بدر مجرد غلبة عسكرية، بل كان زلزالاً اهتزت له أركان الجزيرة العربية. وفي قلب المدينة، اشتعلت نار الحسد في صدور يهود بني قينقاع، حلفاء عبد الله بن أبي بن سلول. كانوا أول من نكث العهد من القبائل اليهودية، متحدين الرسول ﷺ بعد أن اعتدوا على امرأة مسلمة في سوقهم، فكشفوا عن حقدٍ كان مكنوناً تحت رماد المهادنة.
زعيم المنافقين.. درعٌ من ذهب لخيانةٍ مرصودة
عندما حاصرهم الرسول ﷺ حتى استسلموا، برز عبد الله بن أبي بن سلول مدافعاً عن حلفائه بشراسة المفاخر بالقبيلة، متجاهلاً عهد الله ورسوله. فأمسك بدرع النبي ﷺ وهو يقول: “يا محمد، أحسن في مواليّ.. أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع، منعوني من الأحمر والأسود، أتحصدهم في غداة واحدة؟”. كانت كلماته تكشف عن منطق القبلية الجاهلية، حيث المصالح الشخصية فوق مبادئ الدين.
الموقف النبوي.. ثبات على المبدأ وسط عاصفة المصالح
في ذلك الموقف الحاسم، لم يتردد الرسول ﷺ في كشف زيف هذه الذرائع. فأعرض عنه غاضباً قائلاً: “ويحك أرسلني”. ثم أطلق سراحهم له، ليس تنازلاً، بل إعلاناً بالبراءة من فعلتهم، وتسجيلاً لعار الخيانة في سجل التاريخ. لقد كان هذا القرار درساً في أن العفو أحياناً يكون أبلغ عقاباً، حين يفضح صاحبه ويجعله عبرة للأجيال.
عبادة بن الصامت.. درس في الولاء الخالص
في المقابل، وقف عبادة بن الصامت – وكان حليفاً لهم سابقاً – ليتبرأ من يهود بني قينقاع وحلفائهم، معلناً ولاءه لله ورسوله والمؤمنين. لقد جسد موقفه معنى الآية الكريمة: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ”، فكان نموذجاً للثبات على المبدأ حين تتزعزع المواقف.
الدروس الخالدة.. بصائر للمؤمنين عبر العصور
تكشف هذه الغزوة كيف يظهر المنافقون في ساعات المحن، وكيف يقدمون الولاء للقبيلة والمال على الولاء للعقيدة. لقد كانت محطة تربية ربانية، حيث نزلت الآيات لترسخ مبدأ الولاء والبراء، وتكشف أن الخطر الحقيقي ليس في الأعداء الظاهرين، بل في المنافقين الذين يتخذون من الدين غطاءً لمصالحهم.
فغزوة بني قينقاع لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت معمل اختبار لكشف النفوس، وترسيخاً لمبدأ أن الولاء لله ورسوله يجب أن يكون فوق كل ولاء.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | عبادة بن الصامت, عبد الله بن أبي بن سلول, غزوة بني قينقاع, يهود المدينة



