![]()
العلم وهيبة السنة.. قصة القاص الذي تجرأ على الكذب في حضرة الإمام أحمد
العلم وهيبة السنة.. قصة القاص الذي تجرأ على الكذب في حضرة الإمام أحمد
في مسجد الرصافة ببغداد، حيث كانت المجالس عامرة بالذكر والعلم، اجتمع الإمام أحمد بن حنبل وصاحبه المحدّث الكبير يحيى بن معين، وكلاهما من أعلام السنة وحراسها الأشداء على الكذب في الحديث. وبينما هما جالسان للصلاة والعلم، إذ قام في المسجد قاصٌّ من القصّاص الذين كانوا يروون القصص والمواعظ للعامة، وقد أكثر في القول وادّعى الرواية عن الأئمة.
قال القاصّ بصوتٍ عالٍ:
“حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قالا: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال لا إله إلا الله خلق الله من كل كلمة طائراً له سبعون ألف لسان…”
ثم مضى في حديثٍ طويلٍ لا أصل له ولا سند في كتب الحديث.
فنظر الإمام أحمد بن حنبل إلى صاحبه يحيى بن معين وقال مبتسمًا:
“أسمعت ما يقول؟ لقد روى عنّا ما لم نروِه قطّ!”
فقال يحيى: “دعني أذهب إليه.”
فقام إليه يحيى بن معين وقال له: “يا هذا، أنا يحيى بن معين، وهذا أحمد بن حنبل، ولم نسمع بهذا الحديث عن عبد الرزاق، ولا عن معمر، ولا عن قتادة، ولا عن أنس.”
فقال القاص بجرأةٍ عجيبة: “وهل في بغداد غيركما من يقال له أحمد بن حنبل ويحيى بن معين؟! لقد سمعتُه من رجلين آخرين بهذا الاسم!”
عندها ضحك الإمامان، وانصرفا وهما يقولان: “ما أجرأ هذا على الكذب!”
بين القصص والمرويات.. موقف يكشف هيبة المحدثين
في ظاهر القصة طُرفة علمية، لكنها في حقيقتها وثيقة من وثائق الغيرة على السنة. لقد كان القصاصون في تلك العصور يختلطون بالناس، فيخلط بعضهم الموعظة بالخيال، وربما نسبوا إلى النبي ﷺ أحاديث لا أصل لها؛ رغبةً في التأثير أو الجاه، دون تحرٍّ أو علم.
لكن وجود الأئمة أمثال أحمد ويحيى جعل الكذب على النبي ﷺ جريمة لا تُغتفر، لأنهما أدركا أن الكلمة المنسوبة إلى رسول الله ليست شأنًا يُتساهل فيه، بل دينٌ يُتلقى ويُروى بالأسانيد، لا بالأهواء.
ولذا كان موقفهما صامتًا في البداية، ثم مؤدبًا حين واجها القاص، فلم يثورَا، بل أظهرا له بالحجة أنه افترى، ليكون ذلك درسًا للأمة في الغيرة على العلم دون فوضى أو غلظة.
فقه الموقف.. بين الجهل والهيبة
من دلالات القصة أن العلماء الحقيقيين لا يغترّون بالمكانة ولا بالشهرة، فالإمامان الجليلان لم يجلسا في صدر المجلس ولا أظهرا نفسيهما أمام العامة، بل جلسا كأي مصلٍّ عادي، مما سمح للقاص أن يتجرأ ظانًّا أنه بين عوامٍّ لا يميّزون الصحيح من الباطل.
وهذا يكشف تواضع العلماء، كما يكشف في المقابل خطر الجهل المتزيي بزيّ الموعظة؛ فالقصص الديني إذا خرج عن ضابط العلم انقلب خرافةً، وإذا خلت الموعظة من التثبت تحولت إلى بدعةٍ تسري بين الناس باسم الدين.
العبرة من القصة
العبرة الكبرى من هذه الواقعة أن الدفاع عن السنة ليس بالصوت العالي، بل بالعلم والتحقيق.
لقد كان الإمام أحمد يقول: “إياك أن تقول في الحديث ما لا أصل له، فإن الكذب على النبي ﷺ ليس كالكذب على غيره.”
ويقول يحيى بن معين: “الذبّ عن الحديث أفضل من الجهاد في سبيل الله.”
فمن كان يعلم أن كلمةً موضوعة قد تُنسب إلى رسول الله ﷺ فيأخذ بها الناس جيلاً بعد جيل، أدرك خطورة الأمر.
وهكذا صار هذا الموقف شاهدًا خالدًا على فقه الصادقين وصونهم لتراث النبوة من عبث القصّاص والجهّال.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أخبار السلف, أعلام السلف, الإمام أحمد بن حنبل, القصاص في بغداد, الكذب على النبي



