![]()
التغريب في العالم العربي والإسلامي المعاصر: من التعليم إلى الإعلام
التغريب في العالم العربي والإسلامي المعاصر: من التعليم إلى الإعلام
لم يكن التغريب يومًا مجرد فكرةٍ فلسفيةٍ عابرةٍ، بل مشروعًا متكاملًا لإعادة تشكيل الإنسان المسلم في رؤيته للحياة، وموقفه من دينه، ومكانه في العالم. فبعد أن غرس الغرب جذوره الفكرية في أرضه، بدأ يُصدّر ثمراته إلى الشرق في صورة “مدنية” و”تحديث” و”تنوير”، حتى غدت مجتمعاتنا في مواجهة مفتوحة بين الهوية والأصالة من جهة، والتقليد والانبهار من جهة أخرى.
التعليم: البوابة الكبرى لاختراق الهوية
منذ بدايات القرن التاسع عشر، أدرك المستعمر الغربي أن السيطرة على الأمم لا تتحقق بالمدافع وحدها، بل بإعادة تشكيل العقول. فكانت البعثات التعليمية إلى أوروبا، وكان تأسيس المدارس والجامعات على النمط الغربي، حيث أُقصيت العلوم الشرعية أو وُضعت في زاوية التراث، بينما جرى تضخيم مكانة العلوم الوضعية منزوعة الجذر الإيماني.
تحوّل التعليم في كثير من البلدان الإسلامية إلى أداة تغريب تُنتج جيلًا مبهورًا بالغرب، فاقدًا للثقة بتراثه. لم يعد الطالب يدرس تاريخه من منظورٍ حضاريٍّ إسلامي، بل من رواية الآخر عنه، ولم تعد القيم تُغرس في النفوس عبر القرآن والسنة، بل عبر المناهج المستوردة التي تجعل “النجاح” مرادفًا للمادية والاستهلاك.
ولذلك لم يكن غريبًا أن نجد المثقف العربي الحديث يتحدث لغتين: لغة الغرب في العقل، ولغة الشرق في العاطفة، فيعيش انشطارًا بين ذاته وحضارته.
الإعلام: هندسة الوعي وفق النموذج الغربي
إذا كان التعليم يغرس المفاهيم، فإن الإعلام يغرس القيم. ومع صعود القنوات الفضائية والمنصات الرقمية، تسارعت عملية التغريب في شكلٍ غير مسبوق.
فقد تبنّى الإعلام العربي النموذج الغربي في الشكل والمضمون، فاختزل الحياة في متع الجسد والاستهلاك والنجومية، وغابت عنه الرسالة التربوية والروحية التي كانت سمة الإعلام في المجتمعات الإسلامية الأولى.
ومن خلال الأفلام والمسلسلات والإعلانات، جرى تسويق أنماط حياةٍ غربية، وتصوير التدين على أنه تخلف، والتمسك بالقيم على أنه تعصب. أصبح “النموذج المثالي” هو ذاك الذي يعيش بلا حدود، ويتحدث بلا حياء، ويستهلك بلا وعي.
وهكذا تحوّل الإعلام من وسيلة تواصلٍ إلى أداة تفكيكٍ للهوية، لا تهاجم الدين صراحةً، بل تُهمّشه عبر الإغراق في اللهو والمادة والسطحية.
الاقتصاد والسياسة: تغريب الواقع بعد الفكر
لم يقف التغريب عند حدود الفكر والثقافة، بل امتد إلى الأنظمة الاقتصادية والسياسية التي استوردت نماذج الغرب دون وعيٍ بجذورها الفلسفية.
ففي الاقتصاد، سادت النزعة الرأسمالية التي تقدّس الربح وتغفل البعد الأخلاقي، مما جعل الأسواق العربية تلهث خلف الاستهلاك دون إنتاجٍ حقيقي.
وفي السياسة، فُرضت مفاهيم الديمقراطية والعَلمانية كما هي، دون تكييفٍ مع المرجعية الإسلامية، فنتج عنها ازدواجٌ في الشخصية الوطنية بين الانتماء للدين والانتماء للدولة.
لقد أصبحنا نقلّد الغرب في الشكل لا في الجوهر؛ نبني البنايات الشاهقة لكننا نغفل عن بناء الإنسان.
النهضة الأصيلة: وعيٌ بالذات لا عداءٌ للآخر
إن مقاومة التغريب لا تعني الانغلاق أو رفض الحضارة الغربية، بل تمييز الحق من الباطل فيما يُقدَّم لنا. فالإسلام ليس ضد التقدّم، لكنه يرفض أن يكون التقدم ثمنه فقدان الإيمان والهوية.
النهضة الحقيقية ليست في أن نكون نسخة من الغرب، بل في أن نكون نحن أنفسنا كما أرادنا الله: أمة وسطًا، تأخذ من العلم ما ينفعها، وتزن الفكر بميزان الوحي، وتبني حضارتها على الإيمان لا على العبث.
لقد آن الأوان أن نعيد تعريف “التحضر” بمعاييره الإسلامية، وأن نجعل من التعليم والإعلام وسيلتين للبعث لا للذوبان، وللتجديد لا للتقليد. فالتغريب لا يُهزم بالرفض العاطفي، بل ببناء وعيٍ عميقٍ يفرّق بين الاستفادة والاستلاب.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | التغريب, النهضة الإسلامية, الهوية الإسلامية, الهوية والقيم, حركة التغريب



