![]()
النسوية وتأليه طبيعة المرأة.. حين صارت الأنثى إلهًا جديدًا
النسوية وتأليه طبيعة المرأة.. حين صارت الأنثى إلهًا جديدًا
في المسار المتأخر من الفكر النسوي، لم يعد هدف الحركة تحرير المرأة من سلطة الرجل، بل تحريرها من كل سلطةٍ خارج ذاتها، حتى لو كانت سلطة الإله أو الفطرة أو القيم. وهكذا بدأ التحوّل الأخطر في تاريخ النسوية: تأليه الأنثى وإحلالها محل الإله الذي أنكرت وجوده أو تمردت عليه.
من نقد الإله الذكر إلى عبادة الأنثى المقدّسة
كانت البداية مع الفيلسوفة الأمريكية ماري دالي التي أعلنت في كتابها Beyond God the Father أن فكرة الإله الذكر هي أصل الاضطهاد، وأن الخلاص لا يكون إلا بعبادة “الإلهة الأم”، رمزا للطبيعة الأنثوية الخالقة.
لقد رأت دالي أن الأنثى ليست مجرد كائنٍ متكامل، بل هي الجوهر الأول للوجود، وأن الذكورة انحرافٌ طارئ عن هذا الأصل.
ومن هنا ظهرت اتجاهاتٌ روحية جديدة داخل النسوية عُرفت باسم النسوية الغنوصية أو النسوية الروحية (Spiritual Feminism)، التي أحيت رموز الإلهات القديمة من الميثولوجيا الإغريقية والبابلية والمصرية، كرمزٍ للخصب والخلق والقداسة.
وبذلك تحوّل الخطاب النسوي من نقد الدين الذكوري إلى إقامة ديانةٍ أنثويةٍ بديلة، تستبدل الإله الموحِّد بإلهاتٍ متعدّدات تمثّلن القوة والخصب والطبيعة.
الطبيعة أمًّا.. والمادة معبودًا جديدًا
في هذا السياق، أصبحت الطبيعة الأنثوية ذاتها موضع تقديس، واعتُبر جسد المرأة تجلّيًا للمقدّس المادي.
ورأت المنظّرات النسويات أن الأنثى وحدها قادرة على منح الحياة، وأنها بذلك “تشارك الطبيعة في فعل الخلق”، ومن ثم فهي الإلهة التي تستحق السجود الرمزي.
هذا التحول لم يكن دينيًّا فحسب، بل ميتافيزيقيًّا وفلسفيًّا، إذ أعاد تعريف الألوهية على أنها طاقةٌ كونية أنثوية تسري في الوجود، وهو ما يُعرف اليوم في بعض الحركات الغربية بـ عبادة الإلهة (Goddess Worship)، المنتشرة في البيئات اليسارية والبيئية المتطرفة.
وهنا ذابت الفروق بين الإنسان والإله، وبين المقدّس والمدنّس، في رؤيةٍ ترى أن المرأة – لا الله – هي الأصل الذي تنبثق منه الحياة، وأن الطبيعة هي الإلهة الأم التي ينبغي العودة إليها بعد “عصور الذكورة الإلهية”.
التأليه كذروة التفكك الفلسفي
لقد مثّل هذا التيار ذروة التمرّد على الدين، لكنه في جوهره ليس تحرّرًا بل عبودية جديدة؛ فبينما ثارت النسوية على خضوع المرأة للرجل، انتهت إلى خضوع الإنسان للطبيعة، ولغرائزه، ولجسدٍ أُلّه دون روح.
فالمقدّس في التصور الإلهي قائم على تجاوز المادة إلى المعنى، أما المقدّس النسوي فقد انحدر إلى تمجيد الجسد بوصفه غاية الوجود.
وهكذا تحوّل “التحرر” إلى نزعة وثنية جديدة تُعيد الإنسان إلى عبادة القوى الطبيعية بعد أن أنقذه الوحي منها.
إن تأليه المرأة في الفكر النسوي ليس إلا الوجه الآخر لإنكار الخالق، إذ ما إن يُلغى الله من معادلة الوجود حتى تبحث النفس عن بديل تعبده، فتصنع لها إلهاً على شاكلتها، وترفع الجسد إلى مقام الربوبية.
النسوية المعاصرة واستعادة الموروث الوثني
في مظاهر الثقافة الغربية المعاصرة، يمكن تلمّس آثار هذا الاتجاه بوضوح؛ فخطاب “الأنوثة المقدسة” و”الإلهة الأم” يهيمن في الفنون والإعلام، وتُستحضر رموز الإلهات القديمة في الموضة والأفلام والاحتفالات الروحية.
لقد تحوّل هذا التيار إلى مذهبٍ روحيٍّ عالمي يُقدَّم كبديلٍ عن الأديان السماوية، حتى إن بعض المهرجانات تُقام سنويًا للاحتفال بـ”الإلهة الأنثى”، في مشهدٍ يجمع بين السخرية من الإله الحقّ وعبادة البدائل الرمزية.
وهكذا يكتمل المشهد: من نقد الدين الذكوري إلى دينٍ أنثويٍّ جديد، ومن تحرير المرأة من القيود إلى أسرها في عبودية الطبيعة والجسد، في دورةٍ فكريةٍ مغلقة لا تنتهي إلا بالفراغ الروحي الكامل.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الغرب, الفكر النسوي, النسوية, النسوية الغنوصية, تيار النسوية



