![]()
النسوية ومفهوم العفة.. حين تُختزل الحرية في نزع الحياء
النسوية ومفهوم العفة.. حين تُختزل الحرية في نزع الحياء
من بين المفاهيم التي صادمتها الحركة النسوية منذ نشأتها، كان مفهوم العفة أكثرها إثارة للجدل، لأنها رأت فيه قيدًا اجتماعيًا يُكبل المرأة ويحرمها من “الحرية الجسدية”. لكن العفة في ميزان الإسلام ليست قيدًا على الحرية، بل ضمانٌ لكرامة الإنسان وصونٌ لفطرته، فهي ليست تقييدًا للشهوة بل تهذيبٌ لها، وليست حراسةً للجسد فقط بل حمايةٌ للروح والضمير والمجتمع.
العفة في ميزان الإسلام
في المنظور القرآني، العفة مبدأ إنساني شامل يشمل الرجال والنساء على السواء، فهي طهارة قلب وسلوك، قال تعالى:
“وليستعفف الذين لا يجدون نكاحًا حتى يغنيهم الله من فضله“ [النور: 33].
فالعفة هنا ليست حرمانًا بل انتظارٌ مشروعٌ مفعم بالأمل في عطاء الله، وهي في الوقت ذاته صيانةٌ للنفس من الابتذال، لأن الإسلام لا ينظر إلى الجسد بوصفه وسيلة للمتعة فقط، بل وعاءً للأمانة الإلهية التي أمر الله بصونها.
ومن هنا جاءت أحكام الحجاب والنظر والزواج والاختلاط كوسائل لحماية هذا المبدأ العظيم، لا كقيودٍ تُفرض على المرأة دون الرجل، بل كجزء من منظومة أخلاقية تحفظ المجتمع كله من الانحدار.
النسوية وإسقاط القداسة عن الحياء
أما الفكر النسوي فقد اتخذ طريقًا معاكسًا تمامًا، إذ اعتبر أن العفة مفهوم “ذكوري” نشأ لتقييد المرأة والتحكم في جسدها، وأن الحياء صناعةٌ اجتماعية تهدف لإخضاع الأنثى.
وبهذا حوّلت النسوية الحياء من فضيلة إلى وصمة، والعفة من كرامة إلى عبودية.
وبينما يرى الإسلام أن الحياء شعبة من الإيمان، ترى النسوية أن الحياء قيد من قيود “السلطة الأبوية”.
فانتهى بها الأمر إلى تأليه الجسد واعتباره مجالًا للسيادة الذاتية المطلقة، تُملى أحكامه من الرغبة لا من الضمير، ومن الجسد لا من الوحي.
التناقض بين المفهومين
التناقض بين العفة الإسلامية والعفة النسوية ليس مجرد خلاف في التعريف، بل هو صراع بين رؤيتين للإنسان:
- الإسلام يرى العفة طريقًا للتحرر من أسر الشهوة،
- والنسوية تراها قيدًا يجب كسره للوصول إلى “الحرية الجنسية”.
فبينما يربط الإسلام الكرامة بالالتزام، تربط النسوية الكرامة بالتمرّد.
وهكذا يتحول الجسد — في الرؤية النسوية — من أمانةٍ إلى ملكيةٍ مطلقة، ومن ميدانٍ للعبادة إلى ميدانٍ للتعبير الفردي، ومن رمزٍ للطهر إلى أداةٍ للاحتجاج على المجتمع والدين.
رد الإسلام على الافتراءات
لقد ردّ الإسلام على هذه الافتراءات بمنظومة أخلاقية متوازنة جعلت من العفة قيمة إنسانية قبل أن تكون جنسية، ومن الحياء تاجًا للكرامة قبل أن يكون شعارًا للمرأة.
فهو لا يُخاطب الأنثى وحدها بالعفة، بل يُخاطب الرجل أولًا، كما قال تعالى:
“قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم…” ثم قال: “وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن…” [النور: 30-31].
بهذا الترتيب العجيب يُثبت الإسلام أن العفة مسؤولية مشتركة لا عبء أحادي.
كما جعلها بابًا للتزكية قبل أن تكون سلوكًا اجتماعيًا، فقال النبي ﷺ: “ومن يستعفف يُعِفّه الله، ومن يستغنِ يُغنِه الله.”
فهي ليست نظام رقابةٍ خارجي، بل تربيةٌ روحية تعلو بالإنسان فوق نوازعه الحيوانية.
حين تتحول الحرية إلى عبودية للشهوة
إن ما تدعو إليه النسوية تحت عنوان “الحرية الجسدية” ليس تحررًا من القيود، بل سقوطٌ في عبوديةٍ من نوعٍ آخر؛ عبوديةٍ للشهوة وللنظرة الاستهلاكية للمرأة.
فما إن تُهدم جدران العفة حتى يتحول الجسد إلى سلعة، وتُختزل المرأة في شكلها، ويُقاس قدرها بقدر ما تكشف لا بما تُعطي.
وهذا بالضبط ما حذّر منه الإسلام حين جعل الحياء سترًا للكرامة، والعفة عنوانًا للإنسانية، فقال ﷺ: “إن لكل دين خلقًا، وخلق الإسلام الحياء.”
النسوية.. معركة ضد الفطرة
النسوية إذن ليست مجرّد دعوة للمساواة، بل تمرد على الفطرة التي فطر الله الناس عليها، لأن العفة جزءٌ من توازن الإنسان الداخلي بين الروح والجسد.
فحين تُلغى العفة يُلغى التوازن، ويتحول الإنسان إلى كائنٍ جسديٍّ بحت، تحركه الغرائز وتُغيّبه القيم.
وبذلك تُصبح النسوية — في مآلها — مشروعًا لهدم الإنسان قبل أن تكون مشروعًا لتحرير المرأة.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الحرية الجسدية, الحياء والعفة في الاسلام, القيم الإسلامية, النسوية



