![]()
الإيثار.. خُلق يسمو بالأمة ويرفع رايتها
حين تتزاحم القلوب على حب الذات والمصلحة، يشرق نور الإيثار ليكشف عن معدن النفوس المؤمنة، ذلك الخُلق الذي يجعل من المرء مرآة للآخرين، يقدم حاجاتهم على رغباته، ويضع رضا الله فوق كل اعتبار. ليس الإيثار مجرد فضيلة عابرة، بل هو ميزان رفيع يختبر به صدق الإيمان، وهو سرّ من أسرار قوة الأمة الإسلامية ووحدتها، إذ ما اجتمعت القلوب عليه إلا علت وارتفعت في مدارج العزة.
معنى الإيثار ومكانته في الإسلام
الإيثار لغةً هو تقديم الغير على النفس في الحاجات، ولو كان المؤثر في أمسّ الحاجة إليها. وفي الاصطلاح هو قمة مراتب الجود، حيث يُضحّي المرء بما يحب لينال غيره نفعًا أو يرفع عنه ضررًا. وقد اعتبره العلماء تاج الكرم وأعلى درجات السخاء، إذ يجمع بين التضحية واليقين برضا الله. يقول ابن مسكويه: “هو فضيلة بها يكفّ الإنسان عن بعض حاجاته ليمنحها لمن يستحقها”، فهو خُلق يعبر عن كمال الأخوة وصِدق الانتماء إلى المنهج الإلهي.
الإيثار في القرآن والسيرة
أثنى القرآن الكريم على الأنصار حين قدّموا المهاجرين على أنفسهم رغم خصاصتهم، فقال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، فجعل الإيثار علامة على الفلاح. وفي السيرة النبوية تتجلى صور باهرة، منها ما وقع حين استضاف أحد الأنصار ضيفًا للنبي ﷺ، فأطفأ السراج موهمًا ضيفه أنه يأكل معه، بينما ترك طعامه له وحده. فنزل الوحي يخلّد هذا الموقف، شاهدًا على رفعة هذا الخُلق عند الله.
ثمرة الإيثار في حياة الفرد والأمة
الإيثار ليس سلوكًا معنويًا فحسب، بل هو زاد روحي يعمّق الإيمان، ويزرع الطمأنينة في القلب، ويُكسب صاحبه محبة الله ورضاه. فمن يؤثر غيره بما يحب، يعلو على شح النفس، ويقترب من مرتبة البرّ والتقوى، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. أما في حياة الأمة، فهو سرّ قوتها وتماسكها، إذ ينزع الأنانية من النفوس، ويجعل روح الجماعة أقوى من نزعات الفرد، فتحيا الأمة متماسكة كالبنيان المرصوص.
الإيثار منهج حياة لا خُلقًا عابرًا
ما أجمل أن يتحول الإيثار من موقف لحظي إلى منهج دائم في حياة المسلمين، حيث يصبح تقديم الغير عادة مستقرة، وابتغاء مرضاة الله هدفًا ثابتًا. فبقدر ما ينتشر هذا الخُلق بين الأفراد، يتحقق التكافل، وتزدهر الرحمة، وتختفي الأنانية، ويعود المجتمع إلى مكانته الحضارية المشرقة. إن الإيثار في جوهره مدرسة تربوية تبني النفوس على البذل، وتجعل السعادة الحقيقية في العطاء لا في الأخذ، وفي التضحية لا في التملّك، ليظل شاهدًا على رقيّ الإيمان وسموّ الإنسانية.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أعظم الأخلاق, الإيثار, خُلق يسمو بالأمة



