![]()
درجات الحديث الشريف ونشأة علم تصنيف
السنة النبوية هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، وقد أولى العلماء عناية فائقة بتمييز الصحيح من الضعيف، فظهر علم “مصطلح الحديث” ليضع أسسًا واضحة لتصنيف الأحاديث وفقًا لمستوى القبول أو الرد.
ومن هنا برزت أهمية معرفة “درجات الحديث الشريف”، التي أصبحت من ركائز علم الحديث وأدواته الدقيقة في التمحيص والنقد.
درجات الحديث الشريف.. مراتب تحدد قوة الرواية
وقد قسم علماء الحديث النبوي الأحاديث إلى درجات متعددة، بناءً على اتصال السند، وعدالة الرواة، وضبطهم، وسلامة المتن من الشذوذ والعلة. وتنقسم هذه الدرجات إلى قسمين رئيسيين:
أولًا: الحديث المقبول “ما يُحتج به في الدين”
الحديث الصحيح: هو ما رواه العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه، من غير شذوذ ولا علة. ويُعد أعلى درجات الحديث ويُحتج به في العقيدة والأحكام.
الحديث الحسن: هو ما اتصل سنده بنقل العدل خفيف الضبط، دون وجود شذوذ أو علة. يُحتج به كذلك، وإن كانت مرتبته أقل من الصحيح.
الحديث الحسن لغيره: هو حديث فيه ضعف خفيف، لكن تعدد طرقه يرفعه إلى مرتبة الحسن، لذا يُقبل أيضًا.
الحديث الصحيح لغيره: هو حديث حسن جاء من طرق متعددة، فصار صحيحًا باعتبار مجموع الروايات.
ثانيًا: الحديث المردود “ما لا يُحتج به”
الحديث الضعيف: هو ما اختل فيه شرط من شروط الصحة، كضعف الراوي أو الانقطاع في السند. لا يُحتج به إلا في فضائل الأعمال بشروط.
الحديث الموضوع: هو الحديث المكذوب على النبي ﷺ عمدًا، ولا تجوز روايته إلا مع بيان وضعه للتحذير.
أول من صنّف الأحاديث ورتب درجاتها
وقد بدأت العناية بتمييز الأحاديث منذ عصر الصحابة والتابعين، ولكن التأسيس المنهجي بدأ في القرن الثاني الهجري. ومن أوائل من تعامل مع تصنيف درجات الحديث:
الإمام مالك بن أنس (ت 179هـ): كان دقيقًا في قبول الروايات، ولا يروي إلا عن الثقات.
شعبة بن الحجاج وسفيان الثوري: وهما من كبار النقاد الذين ميّزوا بين مراتب الأحاديث.
الإمام الشافعي (ت 204هـ): له دور ريادي في توضيح الفروقات بين الحديث الصحيح والحسن والضعيف.
ثم جاء الإمام البخاري (ت 256هـ) ومسلم (ت 261هـ) فوضعا معيارًا صارمًا في صحيحيهما، فلم يثبتا فيهما إلا ما بلغ أعلى درجات الصحة.
الإمام الترمذي ودوره في اصطلاحات الحديث
وكان للإمام الترمذي أثر كبير في بلورة مصطلحات الحديث، حيث اشتهر باستخدام عبارات مثل “حسن غريب” و”حسن صحيح”، وهي تعبيرات تدل على قبوله للحديث مع التنبيه على مدى غرابته أو تعدد طرقه.
وقد فسّر العلماء هذه العبارات لاحقًا، فقال شيخ الإسلام ابن تيمية إن “حسن غريب” عند الترمذي تعني أن الحديث حسن لذاته، لكنه غريب من هذا الطريق، ووافقه في ذلك ابن حجر والألباني، الذي اعتبر أن “حسن غريب” أقوى من “حسن فقط”، لأن الأول يدل على قوة المتن مع ندرة السند.
منهجية العلماء في تدوين علم مصطلح الحديث
في القرون التالية، بدأ تدوين علم “مصطلح الحديث” بشكل أكثر دقة، حيث وضع ابن الصلاح قواعد هذا العلم في كتابه الشهير، ثم تبعه النووي وابن حجر العسقلاني، لتصبح هذه المراتب والدرجات مرجعًا علميًا ثابتًا في التمييز بين المقبول والمردود من الروايات.
خاتمة: معرفة الدرجات لحماية السنة من التحريف
فهم درجات الحديث الشريف ضرورة لا غنى عنها لكل طالب علم وباحث في الشريعة. فمن خلال هذا التصنيف الدقيق، أمكن للمسلمين الحفاظ على سنة النبي ﷺ من التحريف والتزييف، وتقديم الصحيح منها للاستدلال والتعبد، ورد ما لا يثبت بميزان علمي صارم وضعه الأئمة الأوائل، وسار عليه العلماء في كل عصر.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الحديث الشريف, المتواتر في الحديث الشريف, درجات الحديث الشريف



