![]()
اللمم.. زلات العابرين وعفو الرحيم
يُعدّ مصطلح اللمم من الألفاظ الشرعية التي أثارت عناية المفسرين والفقهاء، لما يتصل به من دقة في تحديد طبيعة الذنوب ومقامها في ميزان الشرع. وقد وردت الكلمة في القرآن الكريم في قوله تعالى: “الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ”، فدلّ على أن اللمم يختلف عن الكبائر والفواحش، وأن له منزلة خاصة بين مراتب الذنوب.
تعريف اللمم لغةً واصطلاحًا
في اللغة، يدلّ لفظ اللمم على القرب والاقتراب، فيُقال: “ألمَّ بالشيء” إذا قاربه أو مسّه مسًّا خفيفًا. ومن هنا جاءت دلالته الشرعية على الذنب الذي يلمّ به الإنسان من غير إصرار أو مداومة.
أما في الاصطلاح الشرعي، فقد فسّره جمهور العلماء بأنه صغائر الذنوب أو الهفوات التي تقع عرضًا ثم يعقبها توبة أو استغفار. وبعض المفسرين خصّ اللمم بالذنوب التي تطرأ على الخاطر أو تقع لحظة ضعف دون إصرار، فيغفرها الله برحمته ما لم تتحول إلى عادة أو إصرار دائم.
اللمم والصغائر
يرى فريق من العلماء أن اللمم هو عين الصغائر، لأن كلاهما يتعلق بالذنوب التي لا وعيد فيها بعقوبة شديدة. بينما ذهب آخرون إلى أن اللمم أخصّ من الصغائر، فهو الذنب العارض الذي يقع مرة واحدة ويزول، أما الصغائر فقد تتكرر وإن لم تصل إلى مرتبة الكبائر. ومن هنا كان الفرق بينهما في جانب الدوام والإصرار: فاللمم عارض، والصغائر قد تتكرر.
أثر اللمم على المؤمن
وجود اللمم في حياة المسلم أمر طبيعي لا يخلو منه بشر، إذ لا يستطيع أحد أن يعصم نفسه تمامًا من الخطأ. لكن الخطر يكمن في الاسترسال مع هذه الهنات، وتحويلها إلى إصرار، فينتقل الذنب من دائرة اللمم إلى حيز الصغائر، وربما إلى الكبائر إذا تراكمت الغفلة. ولهذا ربط الشرع بين اللمم وبين اجتناب الكبائر، إشارة إلى أن المغفرة مرتبطة بسلامة المنهج العام، وأن من حفظ نفسه من الكبائر غفر الله له ما يقع من لمم وهفوات.
البعد التربوي لمفهوم اللمم
يبرز مفهوم اللمم رحمة الله بعباده، إذ يُظهر أن الإسلام لا يطالب الإنسان بالمثالية الكاملة، وإنما يراعي ضعفه وفطرته. فالهفوات العابرة لا تقطع الصلة بالله إذا أعقبها استغفار ورجوع. بل إن استشعار العبد لهذا المعنى يجعله أكثر تواضعًا وخشية، لأنه يدرك أن النجاة برحمة الله لا بكمال عمله. وفي الوقت ذاته، فإن هذا المفهوم يزرع في القلب الحذر من الاستهانة بالذنب، ويؤكد على أهمية محاسبة النفس قبل أن تتحول الهنات الصغيرة إلى خطايا جسيمة.



