![]()
الدار الآخرة… الحياة الحقيقية التي لا تزول
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: 64].
آية قصيرة المبنى، عظيمة المعنى، تقف شاهدة على أن حقيقة الحياة ليست هنا في دار الدنيا، بل هناك في دار البقاء. فهي الآية التي ترفع عن القلوب غشاوة الانخداع بزينة الدنيا، لتعلن أن ما ينتظر الإنسان بعد الموت هو الحياة الحقيقية، حياة لا يعتريها فناء ولا يُصيبها انقطاع.
الدنيا لهو ولعب وزينة زائلة
يصف القرآن الكريم الدنيا في مواضع شتى بأنها لهو ولعب، متاع قليل، وزينة سرعان ما تضمحل. يقول تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185]. فهي ليست سوى محطة مؤقتة، يمتحن الله فيها عباده، ليبلوهم أيّهم أحسن عملاً. ومن يتأمل حالها يجد أنها سريعة الانقضاء، محدودة الأثر، لا تكاد تُقارن بامتداد الحياة الآخرة وسعتها.
معنى “الحَيَوان” في الآية
جاءت كلمة “الحَيَوان” في هذا الموضع القرآني لتدل على “الحياة الحقيقية الدائمة”، فهي صيغة مبالغة من الحياة، تشير إلى الحيوية الكاملة، والنماء المستمر، والدوام الذي لا يزول. وليس المراد بها الحيوان المألوف في أذهان الناس، بل المراد أن الآخرة هي حياة تفيض بالحركة والخلود، حياة تكتمل فيها المعاني، بخلاف الدنيا الناقصة العابرة.
دعوة للتفكر وإعادة التوازن
الآية الكريمة تحمل رسالة تربوية عظيمة: أن يوازن الإنسان بين ما يملك في الدنيا وبين ما ينتظره في الآخرة. فليس العاقل من ينغمس في شهوات زائلة، وينسى دار الخلود، وإنما الحكيم من يجعل الدنيا مزرعة للآخرة، فيغتنم عمره في طاعة الله وابتغاء مرضاته. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كُن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»، إشارة إلى قصرها وسرعة انقضائها.
الحياة الحقيقية… دار الجزاء والعدل
إن أعظم ما يميز الحياة الآخرة أنها دار الجزاء الحق، حيث تُوفّى كل نفس ما كسبت. في الدنيا قد تختلط الموازين، ويُبتلى الناس بظلم أو بغي، لكن في الآخرة يظهر العدل الإلهي جليًا: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر: 17]. هناك يذوق المؤمنون نعيمًا لا ينقطع، ويواجه الكافرون عاقبة أعمالهم، فتكتمل بذلك صورة الحياة الحقيقية التي أرادها الله لعباده.
يقظة من الغفلة
بهذه الكلمات البليغة، يطرق القرآن أبواب القلوب، لينبّه الغافل إلى أن عمره قصير، وأن أمامه حياة خالدة تنتظره. إنها صيحة رحمة من رب العالمين لعباده، حتى لا ينخدعوا ببريق زائل، ويتركوا ما هو أبقى وأعظم.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | آيات القرآن الكريم, إعجاز القرآن الكريم, الدار الآخرة



