![]()
هيئة السجود.. اكتمال الخضوع وجمال الامتثال
السجود فضلا عن كونه مجرد حركة جسدية في الصلاة، فهو ذروة الخضوع، ولحظة الانكسار الجميل بين يدي الله، حيث تلتقي الجبهة بالأرض، وتذوب الكِبرية الإنسانية في مقام العبودية الخالصة. وفي هذه الهيئة تتجسّد معاني القرب، إذ قال النبي ﷺ: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد». فالسجود ليس وضعية فقهية فحسب، بل حالة روحية جامعة، يتداخل فيها الجسد بالقلب، والفعل بالنية، والشكل بالمعنى.
هيئة السجود كما جاءت في السنة
جاءت السنة النبوية مبيّنة لهيئة السجود بيانًا دقيقًا، يرسم صورة السجود الكامل الذي يحقق الامتثال الظاهر والخشوع الباطن. فالمشروع أن يسجد المصلي على سبعة أعضاء: الجبهة مع الأنف، والكفّين، والركبتين، وأطراف القدمين، كما ورد في الحديث الصحيح. ويكون الوجه متجهًا إلى القبلة، والكفّان مبسوطتين على الأرض، مضمومة الأصابع، غير مفرّجة ولا مقبوضة، حذو المنكبين أو الأذنين، في هيئة تجمع بين السكينة والتوازن.
ويُستحب أن يُجافي المصلي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، من غير تكلّف ولا إيذاء للنفس أو تضييق على من بجواره، لتظهر هيئة الخضوع من غير تصنّع ولا تشدّد، ولتتحقق صورة السجود التي علّمها النبي ﷺ بفعله قبل قوله.
الطمأنينة في السجود: روح الهيئة لا شكلها
الفقه لا يقف عند حدود الصورة الظاهرة، بل يتجاوزها إلى المعنى المقصود. فالطمأنينة في السجود ركن من أركان الصلاة، لا يصح السجود بدونه، وهي سكون الأعضاء مع استقرار الهيئة، بحيث يطمئن الجسد كما يطمئن القلب. فالسجود الخالي من الطمأنينة جسد بلا روح، وحركة بلا معنى.
ومن هنا، لا يكون السجود مجرد ملامسة الأرض، بل مكثًا تعبديًا، تتحقق فيه الذلة لله، ويُستشعر فيه القرب، ويُستدعى فيه الدعاء، إذ كان النبي ﷺ يُكثر الدعاء في سجوده، تعليمًا للأمة أن هذا الموضع موضع مسألة وخضوع لا مجرد انتقال حركي بين أركان الصلاة.
البعد التربوي والروحي في هيئة السجود
تحمل هيئة السجود رسالة تربوية عميقة؛ فهي تعلّم الإنسان أن أشرف مواضعه — وجهه — لا يعلو إلا حين يضعه لله على الأرض. وتغرس في النفس معنى التواضع الحقيقي، لا التواضع الشكلي. فكل سجدة تعيد ترتيب الداخل قبل الخارج، وتذكّر العبد بحقيقته وحدوده، وتحرّره من وهم السيطرة والاعتداد بالنفس.
ولهذا كان السجود مدرسة يومية في تهذيب الروح، وتربية القلب على الخضوع، وتطهير النفس من الكِبر الخفي، حتى يتحول إلى سلوك دائم، لا إلى حركة عابرة في الصلاة.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أركان السجود, الخشوع, السجود في الصلاة, الطمأنينة في الصلاة, سنن السجود, صفة السجود, فقه الصلاة, هيئة السجود



