![]()
حين يتدخّل الشيطان في الفطرة..
قراءة في قوله تعالى «وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ»
حين يتدخّل الشيطان في الفطرة..
قراءة في قوله تعالى «وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ»
تأتي هذه الآية في سياقٍ كاشف من سورة النساء، حيث يعرض القرآن نموذجًا صريحًا لخطاب الشيطان ومخططه في إغواء الإنسان. فالآية ليست خبرًا عن فعلٍ عابر، بل هي إعلان نية، ووعد شيطاني ممتد عبر التاريخ: «وَلَآمُرَنَّهُمْ». إنّه أمرٌ منظّم، لا نزوة عابرة، يستهدف تغيير ما خلقه الله على وجهه السويّ. وذكر «آذَانَ الْأَنْعَامِ» ليس تفصيلاً هامشيًا، بل مثالٌ محسوس يُقَرِّب المعنى، ويكشف أن العبث يبدأ من الرموز الصغيرة، ثم يتسلل إلى القيم الكبرى.
بتك الآذان: من طقسٍ جاهلي إلى رمزٍ كوني
كان العرب في جاهليتهم يبتّكون آذان بعض الأنعام علامةً على تحريمها أو تخصيصها لآلهتهم المزعومة، في طقسٍ يجمع بين الخرافة والتشريع البشري المتسلّط. فجاء القرآن لا ليصحّح حكمًا فقهيًا فحسب، بل ليهدم المنهج من جذوره. فالبتك هنا رمزٌ لتغيير الفطرة باسم الدين، وتحريم الحلال بدعوى القربان، وتحويل الخرافة إلى شريعة. ومن هذا المثال الجزئي، يتّسع المعنى ليشمل كل تدخلٍ في نظام الله باسم الطاعة، وكل عبثٍ بالخلقة أو بالقيم بدعوى التقدّس أو التحديث.
تغيير خلق الله: المعركة الخفية على الفطرة
يربط القرآن بين بتك آذان الأنعام وبين تغيير خلق الله، في دلالة عميقة على أن الشيطان لا يكتفي بإغواء السلوك، بل يسعى إلى إعادة تعريف ما هو طبيعي وما هو سويّ. فالفطرة في المنظور القرآني ليست مجرد هيئة جسدية، بل نظام قيمي ومعنوي متكامل. وكل محاولة لإعادة تشكيل هذا النظام خارج هداية الله هي امتداد لذلك الوعد الشيطاني القديم. وهنا تتجاوز الآية زمنها، لتخاطب كل عصر يحاول أن يشرعن الانحراف، أو يجمّل التشويه، أو يمنح العبث لباس العقلانية.
بين الطاعة والوهم: حين يصبح الأمر الشيطاني مُقنِعًا
أخطر ما في وعد الشيطان أنه لا يُقدَّم بوصفه عصيانًا، بل بوصفه طاعة بديلة، وفهمًا أعمق، ووعيًا متقدّمًا. «وَلَآمُرَنَّهُمْ» تعني أن هناك من سيستجيب، لا لأنهم يريدون الشر، بل لأن الأمر سيُعرض عليهم في صورة الخير. وهنا تتجلّى الحاجة إلى ميزانٍ رباني يفرّق بين الطاعة الحقّة والتديّن المزيّف، وبين الإصلاح والتغيير الهدّام. فالآية تضع الإنسان أمام سؤال دائم: من الذي يأمر؟ وبأي مرجعية؟ ولصالح أي معنى؟
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الانحراف العقدي, الجاهلية, الشيطان في القرآن, الفطرة, تغيير خلق الله, تفسير قرآني, كلمات قرآنية, ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام



