![]()
رؤية برنارد لويس حول الإسلام وأوروبا..
سردية الخوف وتزييف التاريخ
رؤية برنارد لويس حول الإسلام وأوروبا..
سردية الخوف وتزييف التاريخ
حين ألقى برنارد لويس محاضرته الشهيرة عام 2007 تحت عنوان الإسلام وأوروبا، بدا وكأنه يكتب نصاً مسرحياً عن مواجهة أبدية بين حضارتين، متجاهلاً مساحات التعايش الطويلة التي عرفها التاريخ. فلويس يختزل ألف عام من العلاقات في صورة صراع متواصل، متغافلاً عن التحالفات التي جمعت بين دول مسيحية وإسلامية ضد أطراف مسيحية أخرى، مثل التحالف العثماني–الفرنسي في مواجهة الهابسبورغ، ومتناسياً أن الصراعات الداخلية الأوروبية نفسها كانت أكثر تأثيراً في تشكيل القارة من أي مواجهة خارجية. إن تصوير التاريخ كحلبة صدام دائم ليس قراءة علمية، بل خطاب تعبئة أيديولوجية يفتقر إلى الإنصاف.
الاستعمار الأوروبي بين التوسع والتبرير
يقدّم لويس الاستعمار الأوروبي وكأنه رد فعل مشروع على “اندفاع إسلامي”، بينما الحقائق التاريخية تكشف أنه كان مشروعاً توسعياً اقتصادياً وسياسياً منذ القرن الثامن عشر. الاحتلال الفرنسي للجزائر، والبريطاني لمصر، والإيطالي لليبيا لم يكن دفاعاً عن النفس، بل سعياً وراء مصالح إمبراطورية. أوروبا لم تكتف بالسيطرة العسكرية، بل مارست أقسى أشكال القمع والاستغلال، وهو ما يتناقض مع وصف لويس لها بأنها مدفوعة بـ”ذنب أخلاقي”. إن تجاهل هذه الحقائق يعكس محاولة لتبرئة الاستعمار وإعادة صياغته كفعل دفاعي، بينما هو في جوهره مشروع هيمنة.
الهجرة بين الواقع والتهويل
من أكثر أطروحات لويس إثارة للجدل ربطه الهجرة إلى أوروبا بما يسميه “الهجوم الثالث”، وكأنها خطة عقائدية لأسلمة القارة. هذا الطرح يتجاهل أن الهجرة ظاهرة اقتصادية–اجتماعية عالمية، وأن المهاجرين المسلمين غالباً ما يفرّون من حروب وفقر ساهمت فيه السياسات الغربية نفسها. المسلمون في أوروبا يمارسون عقائدهم بسلام، ويحترمون القوانين، ومعدلات اندماجهم وولائهم المدني أعلى مما يدّعي لويس. إن تصويرهم ككتلة غازية تهدد أوروبا ليس سوى خطاب شيطنة للأقليات واستثمار للمخاوف الديموغرافية.
الجهاد والتنوع الإسلامي بين التفسير والتحريف
يحاول لويس أن يربط الجهاد بالإرهاب بشكل تلقائي، متجاهلاً أن الفقه الإسلامي وضع شروطاً صارمة للجهاد، وأن الشريعة تحرّم الانتحار والاعتداء على الأبرياء. الجماعات المتطرفة التي تعيد تفسير النصوص لخدمة أهدافها السياسية ليست سوى ظاهرة عابرة، كما يحدث في ديانات أخرى. لكن لويس يذهب أبعد من ذلك، فيختزل مليار ونصف مسلم في صورة “أقلية متطرفة”، متجاهلاً التنوع المذهبي والفكري والعرقي، ومتناسياً أن أغلب ضحايا الإرهاب هم مسلمون أنفسهم. هذا التعميم يخلق عدواً متخيلاً يناسب الخطاب السياسي الغربي أكثر مما يعكس الواقع التاريخي. ومن تناقضاته أنه يصف الإسلام بأنه “خطر عالمي” وفي الوقت نفسه “في قعر الهوان”، وهو تناقض يكشف أن خطابه مبني على الخوف لا على التحليل، وعلى صناعة صورة مشوهة لا على قراءة منصفة.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الإسلام وأوروبا, الاستعمار الأوروبي, التنوع الإسلامي, الجهاد, الخطاب الغربي, الهجرة, برنارد لويس, مغالطات تاريخية



