![]()
الحداثيون العرب وتدوين السنة..
فهم محدود متأثر بالتيار الغربي النقدي
الحداثيون العرب وتدوين السنة..
فهم محدود متأثر بالتيار الغربي النقدي
حظيت السنة النبوية بمكانة سامية في بناء صرح الإسلام، فهي المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم، ومرجع أساس لفهم النص القرآني وتطبيقه في حياة المسلمين. وعلى امتداد العصور، تكفّل الصحابة والتابعون بحفظها ورعايتها، حتى ظهرت المصنفات الكبرى مثل الصحيحين والسنن والمسانيد، التي التزمت بالضوابط الشرعية والنقدية الدقيقة لضمان صحة الحديث. غير أن الفكر الحداثي العربي المعاصر أعاد قراءة هذا التراث، مستلهمًا تجارب الغرب في نقد النصوص المقدسة، فاتخذ من تاريخ تدوين السنة مادة للتشكيك، وطرح شبهات حول حجيتها وصحة نقلها، مستهدفًا بذلك النخبة المثقفة من المسلمين.
الحداثة ونشأتها في الفكر العربي
الحداثة في اللغة مأخوذة من الجذر “ح د ث” الذي يدل على الجديد والمعاصر، أما اصطلاحًا فهي محاولة صياغة نموذج فكري يتجاوز الموروث، متحررًا من قيوده، مستلهمًا المنهجية الغربية العلمية والتجريبية في تفسير النصوص. وقد قام الفكر الحداثي العربي على ثلاثة أسس رئيسية: أولها “أنسنة الدين”، أي إرجاعه إلى الإنسان لا إلى الوحي؛ وثانيها تطبيق المبادئ النقدية الغربية على النصوص المقدسة؛ وثالثها فصل العقل عن الوحي باعتباره معيارًا للتحقق والفهم. هذه الأسس قادتهم إلى التشكيك في تدوين السنة وحجيتها، وإلى إعادة النظر في مكانتها ضمن البناء التشريعي الإسلامي.
شبهات حول تدوين السنة وحجيتها
من أبرز ما أثاره الحداثيون العرب والمستشرقون شبهة تأخر تدوين السنة، بحجة أن الصحابة لم يقوموا بكتابتها رسميًا كما فعلوا بالقرآن الكريم، وأن المصنفات ظهرت لاحقًا بدوافع سياسية أو تنظيمية. غير أن الرد على ذلك أن الحكمة من تأجيل الجمع كانت لتجنب اختلاط السنة بالقرآن، بينما كانت محفوظة في صدور الصحابة، وقد كتب بعضهم أحاديث محددة مثل عبد الله بن عمرو بن العاص وهمام بن منبه، مما يدل على وجود تدوين شخصي منذ عهد النبي ﷺ. ومع مرور الزمن، ازداد التدوين قوة في عصر التابعين وتطور تدريجيًا حتى القرن الثالث الهجري بعيدًا عن أي دوافع سلطوية. أما شبهة حجية السنة، فقد زعم أصحابها أن لو كانت حجة لأمر النبي بكتابتها منذ البداية، والجواب أن النبي ﷺ حرص على حفظها في الصدور أولًا، وأن النهي عن الكتابة كان مؤقتًا لحماية القرآن، ثم بدأ التدوين تدريجيًا حتى اكتمل في العصور اللاحقة، مثبتًا حجيتها وصحتها.
الإسناد والرد على النقد الحداثي
أما شبهة الإسناد، فقد اعتبرها الحداثيون مناهضة للعقل ومناقضة للمنهج القرآني، بينما الحقيقة أن الإسناد نظام علمي دقيق للتحقق من صحة الروايات وضمان ثقة النقل، وهو امتداد لطريقة الشفاهة التي حفظت القرآن الكريم. وقد أسس العلماء منهجًا نقديًا صارمًا يقوم على الترجيح والتضعيف، ليضمن صحة الحديث بعيدًا عن الهوى والرأي الشخصي. إن هذه الشبهات التي يثيرها الفكر الحداثي العربي متأثرة بالتيار الغربي النقدي، بينما الواقع التاريخي يثبت أن الصحابة والتابعين حفظوا السنة ورعوها، وأن التدوين كان عملية تدريجية محكمة، جاءت لتؤكد أن السنة النبوية ستظل ركنًا أصيلًا في حفظ الدين وفهم القرآن الكريم.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الإسناد, السنة النبوية, الصحابة, الفكر الحداثي, القرآن الكريم, المستشرقون, النقد الغربي, تدوين الحديث, حجية السنة, حفظ الدين



