![]()
الوسطية في الخطاب الديني.. جسرٌ بين الغلو والتفريط
الوسطية في الخطاب الديني.. جسرٌ بين الغلو والتفريط
ليست كل كلمة تُلقى على المنابر قادرة على أن تفتح القلوب، وليست كل خطاب يُنسب إلى الدين ينجح في أن يبلّغ رسالته. هناك كلمات تُلقي بثقلها على النفوس فتغلقها، وأخرى تتسرب كالماء العذب فتُحييها. بين شدّة تُنفّر وتسيّبٍ يميّع، يولد الخطاب الوسطي ليكون كالموازين الدقيقة التي لا تميل لطرف على حساب آخر. إنّه الخطاب الذي يلمس جوهر الإسلام، ويستمد من نوره ما يجعله صالحًا لكل زمان ومكان.
وليس غريبًا أن يصف الله هذه الأمة بأنها “وسط”؛ إذ اختار لها موقع الشهادة على الناس، موقع التوازن والاعتدال، موقع الأمة التي لا يطغى فيها الإفراط ولا يستهلكها التفريط، بل تسير بخطاها الواثقة في طريق مستقيم.
الوسطية بين اللغة والشريعة
في اللغة، الوسطية تعني التوسّط، أي وضع الشيء في منتصفه، والاعتدال بين طرفيه. أما في الشريعة، فهي توازن بين الإفراط والتفريط، واتزان في السلوك والعبادة والمعاملات. فهي ليست تساهلًا مفرطًا ولا تقاعسًا عن الحق، بل منهج حياة يُحافظ على سلامة القلب والفكر.
قال تعالى: “وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا” [الفرقان: 67]، وقال أيضًا: “وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ”[
الخطاب الديني: أداة الأنبياء ورسالة الأمة
الخطاب الديني هو وسيلة الأنبياء في تبليغ رسالات السماء، وهو المنبر الذي يُحيي النفوس ويهذب العقول. قال تعالى: “إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرَسَالَاتِهِ”
الخطاب الوسطي يتميز بقدرته على نقل القيم الإيمانية بيسر، فهو يعالج مشكلات المجتمع ويقدم حلولًا واقعية دون المساس بالثوابت. إنه يجمع بين الكلمة الطيبة والقدوة الحسنة، ويجعل القول والفعل متسقين، فتكون الرسالة نافذة التأثير.
سمات الخطاب الديني الوسطي
لكي يكون الخطاب فعالًا ومؤثرًا، لا بد أن تتوافر فيه خصائص محددة:
- الاعتدال في الطرح والمضمون، بعيدًا عن الغلو والتطرف.
- التوازن بين نصوص الشريعة ومتطلبات العصر، ليظل الخطاب حيًّا وقادرًا على مواجهة التحديات.
- الوضوح والبيان، لتصل الرسالة إلى كل فئات المجتمع، من المثقف إلى العامة.
- الالتزام بالقدوة العملية، فيجمع بين القول والعمل، فلا يكون مجرد خطاب نظري بلا أثر في الواقع.
أثر الوسطية على الفرد والمجتمع
الوسطية ليست مجرد مفهوم لغوي أو فقهي، بل هي منهج حياة ينعكس أثره على الفرد والمجتمع. المسلم الوسطي يعيش دينه بطمأنينة، ويحافظ على اعتداله في القول والعمل، ويصبح قدوة للآخرين. المجتمع الذي يسود فيه الاعتدال الروحي والفكري يكون متماسكًا، مزدهرًا، قادرًا على مواجهة التحديات الفكرية والسياسية، ويستطيع أن يواكب العصر دون أن يفقد جوهر هويته الدينية.
و الوسطية في الخطاب الديني ليست مجرد اختيار، بل هي رحلة روحية تستدعي الحكمة والتأمل، وتستند إلى فهم عميق لمعاني الدين والرسالة. وهي السراج الذي يضيء دروب الدعوة، والمقياس الذي يعيد للأمة توازنها كلما اختلّت الموازين. فالخطاب الوسطي يربط بين القلوب والعقول، ويحول الرسالة من كلمات عابرة إلى نورٍ يحيي النفوس ويقوي المجتمع، فيظل جسرًا ممتدًا بين السماء والأرض، يحمل القيم الإيمانية، ويصونها من الغلو والتفريط، ويبقي الأمة على صراطها المستقيم.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الخطاب الديني, الخطاب الديني المعاصر, الخطاب الديني الناجح, الوسطية في الخطاب الديني



