![]()
القرآن الكريم وصناعة اللسان العربي..
كيف أعاد الوحي هندسة تدوين اللغة
القرآن الكريم وصناعة اللسان العربي..
كيف أعاد الوحي هندسة تدوين اللغة
حين نزل القرآن الكريم، لم ينـزل ليؤسّس علم لغة، ولا ليضع قواعد نحو أو رسم، وإنما جاء هداية للناس، ونورًا يُخرجهم من الظلمات إلى النور. غير أن طبيعة هذا الوحي، ببلاغته المحكمة، وإيقاعه المتفرّد، وامتداده في الزمن تلاوةً وحفظًا وكتابة، جعلته يتحوّل – من حيث الأثر لا القصد – إلى أعظم عامل في تشكيل الوعي اللغوي العربي، وإعادة توجيه مسار اللغة من الشفاهة الخالصة إلى التدوين المنضبط. لقد كان القرآن قوة حضارية أعادت هندسة العلاقة بين اللفظ والمعنى، وبين الصوت والحرف.
العربية قبل القرآن: لغة الفصاحة الشفوية
عرف العرب قبل الإسلام لغة عالية الفصاحة، لكنها كانت تعتمد في المقام الأول على المشافهة والرواية. فالشعر يُحفظ في الصدور، والخطابة تُلقى في الأسواق، والأنساب تُتناقل بالسماع. أما الكتابة، فكانت محدودة الاستعمال، بدائية الرسم، خالية من النقط والشكل، ولا تُستخدم إلا في أضيق الحدود. لم تكن العربية حينذاك في حاجة ملحّة إلى التدوين الدقيق، لأن الجماعة اللغوية كانت متجانسة، والسياق كفيل بتصحيح اللفظ والمعنى.
لحظة النزول: النص الذي فرض الحفظ والضبط
جاء القرآن نصًّا يُتعبّد بتلاوته، ويُخشى عليه من التحريف، ويُطلب حفظه حرفًا حرفًا. وهنا بدأت التحوّلات الكبرى. فقد أصبح اللفظ القرآني معيارًا، وأضحى الخطأ في الحركة أو الحرف مسألة عقدية لا لغوية فحسب. هذا التحوّل فرض على المسلمين – عربًا وغير عرب – أن يبحثوا عن وسائل تضمن سلامة النص، فكان الحفظ الجماعي، ثم الكتابة المتقنة، ثم المراجعة الدقيقة بين الصدر والسطر.
من الرقاع إلى المصحف: ولادة التدوين المنهجي
في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كُتب القرآن على الرقاع والعسب واللخاف، ثم جاء جمعه في عهد أبي بكر رضي الله عنه، وتوحيد المصاحف في عهد عثمان رضي الله عنه، ليشكّل ذلك منعطفًا حاسمًا في تاريخ التدوين العربي. لم يكن جمع القرآن مجرد عمل إداري، بل كان تأسيسًا لثقافة الكتاب، وضبطًا لرسم الحروف، وتوحيدًا للنص في مواجهة تعدّد اللهجات والقراءات. ومن هنا بدأ الخط العربي يخرج من عفويته إلى نظامه.
النقط والشكل: استجابة لغوية للوحي
مع اتساع الفتوحات، ودخول الأعاجم في الإسلام، ظهر اللحن في اللسان، وتسلّل الخطأ إلى القراءة. عندها جاءت الاستجابة الحضارية: نُقط المصحف، وشُكّلت حروفه، وصُنعت قواعد لضبط النطق. لم تكن هذه الابتكارات ترفًا لغويًا، بل ضرورة دينية لحفظ كلام الله. فكان أبو الأسود الدؤلي ومن بعده الخليل بن أحمد وسيبويه، أبناء لحظة قرآنية دفعت العربية إلى أن تُقعَّد وتُدوَّن وتُعلَّم بوصفها لغة نص مقدّس.
القرآن محرّك علوم اللغة
من رحم القرآن وُلد النحو، وتبلور الصرف، ونشأ علم المعاني والبيان والبديع. لم تُكتب هذه العلوم بدافع نظري مجرد، بل بدافع خدمة النص القرآني وفهمه فهمًا صحيحًا. لقد غيّر القرآن وظيفة اللغة من أداة تواصل قبلي إلى وعاء حضاري عالمي، ومن ممارسة تلقائية إلى علم يُدرّس ويُصنّف ويُحاكم. وهكذا أعاد الوحي تشكيل بنية اللغة، لا في مفرداتها فقط، بل في وعي أهلها بها.
هندسة غير مقصودة وأثر باقٍ
لم ينزل القرآن ليقول للعرب: دوّنوا لغتكم، ولا ليضع لهم أبجدية جديدة، لكنه بفعل قدسيته وانتشاره وخلوده، فرض عليهم ذلك كله. فكانت هندسة اللغة العربية – خاصة في جانب التدوين والضبط – نتيجة حتمية لنزول الوحي، لا مشروعًا لغويًا مخطّطًا. وبذلك تحوّلت العربية من لغة أمة إلى لغة رسالة، ومن لسان زمن إلى لسان تاريخ.



