![]()
كمالٌ لا يُحدّ..
ما يجب في حق الله تعالى
حين يتناول علم أصول الدين الحديث عن الله سبحانه وتعالى، فإنه لا يقدّم معرفة ذهنية مجردة، ولا ينسج أوصافًا تخضع للخيال البشري، بل يرسم حدود الإيمان الصحيح الذي يحرّر العقل من الوهم، والقلب من التردد. فالإيمان بالله في التصور العقدي ليس اعترافًا بوجود فحسب، وإنما تسليمٌ بكمالٍ مطلق، وتنزيهٌ لا تشوبه شائبة نقص، ويقينٌ بأن ما يجب لله تعالى أسمى وأجلّ من أن تحيط به العقول أو تُدركه الألسن.
معنى الوجوب في حق الله عند أهل الأصول
العقل السليم يقضي بأن الخالق الكامل لا يجوز أن يتصف بنقص، كما أن الوحي جاء مؤكِّدًا لهذا المعنى، مقرِّرًا أن الله سبحانه متصف بكل كمال، منزّه عن كل عيب. ومن هنا نشأ اصطلاح “ما يجب في حق الله”، بوصفه بابًا يُضبط به الاعتقاد، لا ليفرض على الذات الإلهية حكمًا، بل ليهدي المكلّف إلى الفهم الصحيح الذي يليق بجلال الله وعظمته.
كمالات الله بين الإطلاق والتنزيه
تتفق كلمة أهل السنة على أن الله سبحانه وتعالى متصف بصفات الكمال على وجه الإطلاق، لا يشوبها نقص ولا يحدّها حد. فحياته ليست كالحياة، وعلمه ليس كالعلم، وقدرته ليست كقدرة المخلوقين. وكل صفة كمال ثبتت لله تعالى، فهي كاملة في ذاتها، قائمة بذاته، لا تنفك عنه، ولا يعتريها تغير أو زوال. وفي الوقت نفسه، فإن التنزيه يظل ركنًا أصيلًا، يمنع من تشبيه هذه الصفات بصفات الخلق، مصداقًا لقوله تعالى: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. فالكمال الإلهي يُفهم إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل.
لا تناهي كمالات الله وعجز العقول عن الإحاطة
من أعظم ما يقرره علم أصول الدين أن كمالات الله لا تتناهى، وأن العقول مهما سمت، والألسن مهما اجتهدت، لا تستطيع إحصاء ثناءٍ يليق بجلاله. وقد عبّر النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا المعنى بأبلغ بيان حين قال: لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. فالعجز هنا ليس نقصًا في الإيمان، بل هو عين المعرفة؛ لأن الإحاطة بالمطلق محال على المحدود. وكلما ازداد العبد علمًا، ازداد يقينًا بأن ما خفي أعظم مما ظهر، وأن صفات الله أوسع من أن تُختزل في ألفاظ أو تُقاس بمقاييس البشر.
واجب المكلّف في الإيمان بكمال الله
واجب المكلّف في هذا الباب ليس الخوض في الكيفيات ولا التعمق في ما حُجب عن الإدراك، بل التسليم الجازم بأن الله سبحانه متصف بكل كمال يليق بذاته، منزه عن كل نقص، مؤمنًا بما جاء في الكتاب والسنة على وجهه الصحيح. هذا الإيمان لا يقف عند حدود المعرفة النظرية، بل يثمر تعظيمًا، وخشية، ومحبة، وانكسارًا بين يدي الله. فحين يوقن القلب بكمال الله المطلق، يستحيي أن يعصيه، ويطمئن إلى قضائه، ويستسلم لحكمته، مدركًا أن ما يجري في الكون صادر عن علم لا يخطئ، وقدرة لا تعجز، ورحمة لا تنفد.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أصول الدين, الإيمان بصفات الله, التنزيه والإثبات, العقيدة الإسلامية, صفات الله, كمال الله تعالى, لا أحصي ثناء عليك, ما يجب في حق الله



