![]()
الصلاة عبر مكبرات الصوت..
بين إحياء الشعيرة وحدود السكينة العامة
الصلاة عبر مكبرات الصوت..
بين إحياء الشعيرة وحدود السكينة العامة
لم تعرف المساجد في تاريخها الطويل وسيلةً أوسع أثرًا ولا أسرع وصولًا إلى الأسماع من مكبرات الصوت. هذا الاختراع الحديث، الذي خرج من رحم التقنية، دخل فضاء العبادة فغيّر شكل الحضور الديني في المجال العام، وأثار في الوقت نفسه أسئلة فقهية معاصرة تتصل بجوهر العبادة وحدودها وآثارها على الناس. هل ما يُبث من صلاة وقراءة عبر المكبرات إحياءٌ للشعيرة وتنبيهٌ للغافلين، أم أنه قد ينقلب – في بعض صوره – إلى إزعاجٍ يناقض مقصد السكينة الذي قامت عليه الصلاة أصلًا. بين هذين المعنيين يدور النقاش، وتتعدد فيه الأنظار، ويظل الميزان هو فقه المقاصد وحسن تنزيل الأحكام على الواقع.
الجذور الفقهية للمسألة وحدود ما لم يعرفه السلف
لم يعرف الفقهاء المتقدمون مكبرات الصوت بصورتها المعاصرة، لكنهم ناقشوا ما يقوم مقامها من رفع الصوت بالقراءة والذكر في المساجد وخارجها. وقد تقرر عندهم أن الأصل في الصلاة الخشوع، وأن الجهر مشروع بقدر ما يحقق المصلحة ولا يفضي إلى تشويش أو أذى. ومن هذا الأصل انطلق الفقه المعاصر في مقاربة مسألة المكبرات، فاعتبرها وسيلة لا حكمًا مستقلًا، تُلحق بالأحكام بحسب ما تؤول إليه من نفع أو ضرر. فالوسائل في الشريعة تدور مع مقاصدها، صلاحًا وفسادًا، ولا تُقدّس لمجرد حداثتها ولا تُرفض لمجرد غرابتها.
مكبرات الصوت كوسيلة دعوية وتنظيمية
يرى فريق من العلماء المعاصرين أن استخدام مكبرات الصوت في الأذان مشروع بلا خلاف يُذكر، لما فيه من تبليغ النداء وإعلام الناس بدخول الوقت، وهو المقصد الأصلي للأذان. أما الصلاة نفسها، خاصة في المساجد الجامعة، فيُنظر إلى المكبرات بوصفها أداة تنظيمية تعين المأمومين على متابعة الإمام، خصوصًا مع اتساع المساجد وتعدد طوابقها. وفي هذا السياق، يُعدّ البث الداخلي للصلاة داخل حدود المسجد أمرًا مقبولًا شرعًا، لأنه يحقق مصلحة ظاهرة دون أن يتعدى على حقوق الآخرين. بل إن بعضهم يرى أن في الجهر المسموع عبر المكبرات تذكيرًا بالغافلين وإشاعةً لروح العبادة في الأحياء، إذا التزم الاعتدال وحُفظت الآداب.
الإزعاج المحتمل وحدود الاعتدال الشرعي
في المقابل، يتحفظ فريق آخر من أهل العلم على بث الصلاة كاملة عبر المكبرات الخارجية، خاصة في أوقات الراحة أو في البيئات المكتظة بالسكان. وينطلق هذا الرأي من قاعدة فقهية راسخة تقضي بأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وأن إيذاء الناس منهيٌّ عنه ولو كان باسم العبادة. فالخشوع الذي تُطلبه الصلاة لا ينسجم مع رفع الأصوات على وجه يوقظ النائم، أو يشوش على مريض، أو يقطع سكينة البيوت. ويستشهد أصحاب هذا الاتجاه بما قرره الفقهاء قديمًا من كراهة رفع الصوت بالقرآن إذا ترتب عليه أذى، مؤكدين أن حسن النية لا يكفي لتبرير الأثر السلبي إذا تحقق.
الموازنة المقاصدية في الفقه المعاصر
الفقه المعاصر، في جملته، لا ينحاز إلى المنع المطلق ولا إلى الإباحة غير المنضبطة، بل يدعو إلى موازنة دقيقة بين المقاصد. فمتى كانت مكبرات الصوت وسيلة لترغيب الناس في الصلاة دون تجاوز أو تشويش، ومتى التُزم فيها بالقدر المعقول الذي لا يعتدي على حق السكينة العامة، كانت أقرب إلى الجواز. أما إذا تحولت إلى سبب للضيق والنفور، فإنها تفقد مقصدها الدعوي وتدخل في باب المكروه أو الممنوع بحسب درجة الأذى. ومن هنا جاءت دعوات كثيرة إلى قصر بث الصلاة على داخل المسجد، والاكتفاء بالأذان خارجه، تحقيقًا لمقصد التبليغ دون الإضرار بالناس.



