![]()
سلا الجزور على ظهر السجود..
مشهد الصبر النبوي في ذروة الإيذاء
سلا الجزور على ظهر السجود..
مشهد الصبر النبوي في ذروة الإيذاء
لم تكن طريق الدعوة مفروشة بالقبول، ولا كان مقام النبوة في أعين خصومها حصنًا من الأذى. في مكة، حيث اشتد العناد وبلغ الاستهزاء مداه، وقعت حادثة بالغة الدلالة، تكشف معدن النبوة حين تُمتحن في أقدس اللحظات. حادثة أُلقي فيها سلا الجزور على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، لا لتُروى بوصفها مشهدًا تاريخيًا فحسب، بل لتُقرأ باعتبارها درسًا عميقًا في الصبر، وضبط النفس، وفهم الرسالة في مواجهة الإهانة.
سياق الحادثة في زمن الاستضعاف
وقعت الحادثة في مرحلة كان المسلمون فيها قلة مستضعفة، وكانت قريش ترى في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم تهديدًا مباشرًا لمكانتها الدينية والاجتماعية. في تلك الأجواء المشحونة، اجتمع نفر من سادات قريش عند الكعبة، يتبادلون السخرية ويتنافسون في الإيذاء. وحين دخل النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته، وبلغ السجود، اقترح أحدهم أن يُلقى على ظهره سلا جزور، وهو ما يُلقى من أوساخ الذبيحة وأقذر ما يكون. ففعلوا، لا خفاءً، بل في وضح النهار، وهم يضحكون ويتغامزون، ظانين أنهم بلغوا غاية الإهانة.
ثبات النبي صلى الله عليه وسلم في لحظة الامتحان
كان المشهد قاسيًا بكل المقاييس، رجلٌ ساجد، منقطع عن الدنيا، يناجي ربه، يُلقى عليه الأذى في أقدس حالاته. ومع ذلك، لم يقطع النبي صلى الله عليه وسلم صلاته، ولم ينهض غاضبًا، ولم ينطق بكلمة. بقي ساجدًا حتى جاءت فاطمة رضي الله عنها، وهي يومئذٍ جارية صغيرة، فأزالت الأذى عن ظهره. هذا الثبات لم يكن عجزًا ولا استسلامًا، بل كان اختيارًا واعيًا نابعًا من يقين راسخ بأن الرسالة أكبر من الاستفزاز، وأن الرد الحقيقي لا يكون دائمًا بالكلام أو القوة، بل أحيانًا بالصبر الذي يعجز الخصم عن فهمه.
بين الحلم والعدل في الموقف النبوي
بعد أن فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته، لم يمر الموقف دون دلالة. رفع يديه ودعا على من آذوه، فسمّى نفرًا منهم بأسمائهم، دعاء المظلوم الذي لا يتجاوز حد العدل. هنا يتجلّى التوازن النبوي الدقيق؛ صبر في موضع الصبر، ودعاء في موضعه، دون انفلات غضب ولا ضعف موقف. لم يكن حلمه صلى الله عليه وسلم إلغاءً للحق، ولم يكن دعاؤه خروجًا عن الرحمة، بل كان تعبيرًا عن ميزان رباني يضع لكل مقام مقاله، ولكل حال حكمها.
دلالات الحادثة في فقه الصبر والدعوة
تحمل حادثة سلا الجزور أبعادًا تتجاوز الإيذاء الجسدي إلى عمق المنهج الدعوي. فهي تؤكد أن صاحب الرسالة قد يُهان، لكن الرسالة لا تُهان بصبره، وأن الاستفزاز لا ينبغي أن يجر الداعية إلى معارك جانبية تُضيّع المقصد الأكبر. كما تكشف أن الكرامة الحقيقية ليست في رد الإهانة فورًا، بل في الثبات على الحق دون أن يتلوّث القلب بالكراهية. وفي الوقت ذاته، تُظهر أن الصبر لا يعني تعطيل العدالة، ولا السكوت الدائم عن الظلم، وإنما هو فقه الموازنة بين القدرة والمصلحة، وبين اللحظة والغاية.
في هذا المشهد القصير، تتكثف معاني النبوة؛ عبادة لا يقطعها أذى، وصبر لا يُضعف المبدأ، وحلم لا يلغي الحق. ولهذا بقيت الحادثة حيّة في الوعي الإسلامي، تُستدعى كلما التبس على الناس الفرق بين الصبر والضعف، وبين الحلم والتنازل.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم, الثبات على الحق, السجود, السيرة النبوية, الصبر في الدعوة, حلم النبي, سلا الجزور, مواقف نبوية



