![]()
سفيان الثوري ..
إمام جمع بين فقه العالم ودمعة العابد وتجرد الزاهد
سفيان الثوري ..
إمام جمع بين فقه العالم ودمعة العابد وتجرد الزاهد
عبادة الإمام سفيان الثوري رحمه الله تمثل نموذجًا نادرًا لعالمٍ جمع بين العلم والخشية، وبين العمل والزهد، وبين القيام والبكاء والتفكر. لم يكن راهبًا منقطعًا، ولا فقيهًا جافًّا، بل عبدًا ربانيًا عاش للآخرة وهو يمشي في الدنيا. وبمثل هذه النماذج تُفهم حقيقة العبادة في الإسلام: حضور القلب، ومجاهدة النفس، واستعداد دائم للقاء الله.
فقد جمع الثوري بين فقه العالم، ودمعة العابد، وتجرد الزاهد، حتى صار مثالًا نادرًا لعالمٍ عبد الله كأنه يراه، وخاف الآخرة كأنها بين عينيه..
عبادة قائمة على التفكر ومراقبة الآخرة
تميّزت عبادة سفيان الثوري بعمق التفكر لا بكثرة الحركة وحدها. يروي يوسف بن أسباط قوله: «قال لي سفيان بعد العشاء: ناولني المطهرة أتوضأ، فناولته، فأخذها بيمينه ووضع يساره على خده، فبقي مفكرًا، فنمت ثم قمت وقت الفجر، فإذا المطهرة في يده كما هي، فقال: لم أزل منذ ناولتني المطهرة أتفكر في الآخرة حتى هذه الساعة
وهذا المشهد يكشف أن عبادة الثوري كانت تبدأ من القلب قبل الجوارح، وأن التفكر في المصير والوقوف بين يدي الله كان عنده عبادة لا تقل منزلة عن الصلاة والقيام.
قيام الليل ومجاهدة النفس
وكان الإمام الثوري من أهل القيام الطويل، حتى شهد له معاصروه بأنه كان يقوم الليل إلى الصباح في أيام كثيرة. ولم تكن مجاهدته قاصرة على الصلاة، بل تجاوزتها إلى معاناة الجسد في سبيل تهذيب الروح؛ فكان يرفع رجليه على الجدار بعد قيام الليل ليعود الدم إلى رأسه من شدة الوقوف. وإذا أكل شيئًا من الطيبات، زاد في عبادته خوفًا من أن تكون لذة الجسد على حساب نصيب الروح.
طول السجود وشدة التعلق بالله
وبلغ من شدة تعلقه بالله وطول خضوعه في السجود ما تعجز عنه الهمم. قال علي بن الفضيل: رأيت الثوري ساجدًا، فطفت سبعة أسابيع قبل أن يرفع رأسه. وقال ابن وهب: «رأيته في الحرم بعد المغرب سجد سجدة فلم يرفع رأسه حتى نودي للعشاء.
وهذه الأخبار لا تُروى للمبالغة، بل لتصوير حال رجلٍ ذاب قلبه بين يدي الله، فاستراح في السجود، وغاب عن الزمان والمكان.
الخشية الدائمة وكثرة ذكر الموت
وكانت الخشية السمة الأبرز في حياة سفيان الثوري، حتى قال قبيصة: ما جلست مع سفيان مجلسًا إلا ذكر الموت، ما رأيت أحدًا أكثر ذكرًا للموت منه وكان إذا ذُكرت الآخرة رقّ قلبه، حتى قال يوسف بن أسباط: “كان إذا أخذ في ذكر الآخرة يبول الدم من خشيته لله”.
وقد لخّص الثوري حال القلوب بقوله: البكاء عشرة أجزاء: جزء لله، وتسعة لغير الله، فإذا جاء الذي لله في العام مرة فهو كثير، وهي كلمة تعكس عمق معرفته بالنفس الإنسانية، وخوفه من الرياء حتى في الدموع.
الزهد والاستغناء عن الناس
لم يكن زهد الإمام الثوري زهد عجز أو فقر، بل زهد اختيار واستغناء. أقبلت عليه الدنيا فتركها، واكتفى بالكفاف، وربما اشتغل بالتجارة والبيع والشراء لا حبًا في المال، بل صيانةً لنفسه عن سؤال الناس ومدّ اليد إليهم. فكان يرى أن كرامة العالم في استغنائه، وأن الزهد الحق هو ما كان مع القدرة لا مع العجز.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الإمام سفيان الثوري, الاستغناء عن الناس, البكاء من خشية الله, التفكر, الخشية, الزهد, العبادة, العمل بالعلم, الكفاف, تهذيب الروح, حضور القلب, ذكر الموت, طول السجود, قيام الليل, مجاهدة النفس, مراقبة الآخرة



