![]()
إعادة حفر زمزم..
إرهاص عبد المطلب الذي مهد لبعثة النبي
قبل أن يشرق نور النبوة بزمن، كانت مكة تُهيَّأ في صمت، وتُنسَج خيوط العناية الإلهية بعيدًا عن الأعين. وفي قلب هذا الإعداد الغيبي، تقف حادثة إعادة حفر بئر زمزم على يد عبد المطلب بن هاشم، جدّ النبي ﷺ، بوصفها إرهاصًا جليلًا، لا يُقرأ بوصفه فعلًا عمرانيًا ف
حسب، بل علامة تمهيد، وبشارة خفيّة لمقامٍ سيخرج من هذه الأرض المباركة.
رؤيا تهدي وخطوة تُستجاب
بدأ الأمر برؤيا متكررة، لم تكن عابرة ولا مضطربة، بل جاءت واضحة الإشارة، محددة الموضع، تأمر عبد المطلب بحفر زمزم بعد أن درست معالمها واندثر ذكرها. والرؤيا، في سياق الإرهاصات، ليست مجرد حلم، بل خطاب تمهيديّ يُلقيه الغيب في قلب من اختير ليكون أداة في ترتيب مشهدٍ أعظم. وحين استيقظ عبد المطلب، لم يتعامل مع الرؤيا على أنها خيال ليل، بل تلقّاها بيقين المؤمن، ومضى يستجيب.
لم يكن معه من العون سوى ابنه الحارث، ولا من السند سوى الثقة بما أُمر به. وقف يحفر في موضعٍ طالما عبره الناس دون أن يدركوا ما تحته، وكأن القدر أراد أن يعلّم قريش أن البركات لا تُنال بالكثرة، بل بالصدق.
معارضة قريش وامتحان اليقين
لم تمضِ لحظات الحفر دون أن تعلو أصوات الاعتراض، فقد أنكرت قريش على عبد المطلب فعله، ورأت في زمزم إرثًا مشتركًا لا يجوز أن ينفرد به رجل. لكن الاعتراض لم يكن سوى امتحانٍ لليقين؛ فالإرهاصات الكبرى لا تُسلَّم دون مقاومة، وكأنها تُختبر لتثبت أهلها.
ثبت عبد المطلب، لا بحدّة، ولا بخصومة، بل بسكينة الواثق أن ما يفعله ليس طلب مجدٍ ولا حظوة، بل امتثال لأمرٍ أُلقي في قلبه. وحين تفجّرت زمزم، وسال ماؤها بعد طول انقطاع، سكتت الخصومة، وبقيت العلامة.
زمزم: عودة المعنى قبل عودة الماء
زمزم ذاكرة إبراهيم، وأثر إسماعيل، ورمز التوحيد الأول في هذه البقعة. وعودتها إلى الظهور على يد جدّ النبي ﷺ حملت دلالة عميقة: أن التوحيد يعود قبل الرسالة، وأن الطهارة تُستعاد قبل التشريع. كأن القدر يقول إن الأرض التي ستُبعث منها النبوة لا بد أن تُطهَّر من النسيان، وأن تُردّ إلى أصلها الإبراهيمي.
وكان في ذلك تمهيد لمكانة البيت الحرام، واستعادة لدوره الروحي، قبل أن يُبعث من صلب عبد المطلب من سيحمل الرسالة الخاتمة.
إرهاص النبوة في سيرة الجد
لا يُقرأ فعل عبد المطلب بمعزل عن موقعه في سلسلة الاصطفاء، فقد كان رجلًا مهيبًا، موحِّد النزعة، كريم الخلق، حاضر الهيبة، وكأن العناية الإلهية اختارته ليكون حلقة الوصل بين ميراث إبراهيم وميلاد محمد ﷺ. فجاءت زمزم على يديه إرهاصًا عمليًا، لا خطابًا نظريًا، يشهد بأن ما هو آتٍ أعظم، وأن مكة تُهيَّأ لحدث سيغيّر وجه التاريخ.
هكذا لم تكن إعادة حفر زمزم مجرد واقعة تاريخية، بل صفحة من صفحات التمهيد الإلهي، نبع فيها الماء… ونبع معها الوعد.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | إرهاصات النبوة, إرهاصات قبل البعثة, إعادة حفر زمزم, البيت الحرام, السيرة النبوية, بئر زمزم, تاريخ مكة, عبد المطلب



